عرفت الإنسانية خلال مسيرتها الطويلة عددا قليلا من الثورات، خاصة في تاريخها الحديث حيث تتمثل الثورات الأكثر شهرة في الثورة الانجليزية والثورة الأميركية والثورة الفرنسية. هذه الثورات شكّلت، كل منها، موضوعا لدراسات عديدة. لكن الفيلسوف والأستاذ الجامعي الفرنسي فيليب رونو يكرس دراسة مقارنة لها في كتاب يحمل عنوان: «ثلاث ثورات للحرية».
إن المؤلف يحدد في عنوان عمله قاسما مشتركا بين الثورات الانجليزية والأميركية والفرنسية هو أنها قامت كلها باسم الحرية ومن أجل الحرية. وهكذا اطلق عليها تسمية «ثورات للحريّة». ثم إن هذه الثورات هي التي «أنجبت» منظومة سياسية واحدة هي «الديمقراطية اللبرالية» التي سادت في العالم الغربي ووصلت تفرعاتها إلى العالم أجمع.
ويركز المؤلف منذ بداية دراسته المقارنة للتاريخ السياسي للبلدان الثلاثة المعنية بالقول انه ينبغي فهم «السبيل الانجليزي» إلى الثورة من خلال خصوصيات القوانين الانجليزية نفسها قبل أي شيء آخر. ذلك أن القانون الانجليزي أنتج نمطا متفردا من العقلانية القانونية ومن «سلطة الدولة».
ومن خلال الثورة قام في «انجلترا نظام جديد، لكن في إطار الاستمرارية ودون اللجوء إلى المقصلة كما فعل الفرنسيون عندما قاموا بثورتهم عام 1789». كل ما فعله البريطانيون عملا في أعقاب ثورة 1699 هو أنهم «أزالوا الأغصان الفاسدة» و»العشب الضار» واحتفظوا بكل ما اعتبروه صالحا للاستمرار. هكذا كانت النتيجة هي الاحتفاظ من «النظام القديم» بالجيد نتيجة لعملية تكدّس تاريخي طويلة مما جرت ترجمته على أرض الواقع بازدهار كبير عرفته بريطانيا التي سادت على إمبراطورية شاسعة فيما بعد. هكذا كان لبريطانيا سبيلها المتفرّد في التعامل مع المعتقدات الدينية وفي الاكتشاف المبكّر لما يمكن أن تجلبه النزاعات المتحزبة في المجتمعات الحرة.
أما الفرنسيون عندما قاموا بثورتهم عام 1789، فقد قاموا باقتلاع كل شيء كان ينتمي إلى النظام القديم وقرروا الشروع بكتابة صفحة جديدة من تاريخهم. ويسوق المؤلف بهذا الصدد العديد من الشواهد المأخوذة من كتاب المؤرخ الانجليزي «بورك» الذي كان قد وجّه نقدا شديدا لأولئك الفرنسيين «المجانين » من وجهة نظر انجليزية بسبب ما اتسموا فيه من حس عدمي عندما قاموا بثورتهم.
لكن بالمقابل يشرح المؤلف أن الثورة الفرنسية لم تكن فقط ثورة الرعب والتصفيات الدموية التي أعقبت قيامها لمدة عقد كامل تقريبا، وإنما كانت أيضا ثورة من أجل احترام حقوق الإنسان. لكن كما أشار الفيلسوف الألماني الشهير هيغل، اصطدمت تلك الثورة أثناء تطورها بإرث التاريخ الفرنسية السابق لها. ويجد المؤلف أن هذا يمثل أحد نقاط تمايزها عن الثورة الأميركية التي لم يكن أمامها «نظام قديم» عليها أن تدمّره. بهذا المعنى لم يكن الفرنسيون يمثلون شعبا جديدا خرج للتو من الغابة».
الأميركيون أرادوا إذن بثورتهم البدء من الصفر. هكذا تبدو الولايات المتحدة أنها مختبر الديمقراطية الحديثة التي انتشرت آثارها بسهولة في ظل غياب الإرث الارستقراطي العميق وأولوية الذهنية «الديمقراطية» على الذهنية «الثورية». لكن تتم الإشارة هنا إلى أن أميركا واجهت خلال حرب الانفصال بين الشمال والجنوب في عقد السبعينات من القرن التاسع عشر، معارضات شبيهة بتلك التي مزقت فرنسا الثورية. ويشير المؤلف إلى أن التيارات المتطرفة الجديدة «المحافظون الجدد» خرجت من الولايات المتحدة في نهايات القرن العشرين.
ومن القواسم المشتركة بين الثورتين الأميركية والفرنسية يذكر مؤلف هذا الكتاب، إرادة البدء بتاريخ جديد وإعادة صياغة المجتمع بشكل أكثر تماشيا مع الطبيعة والعقل». والثورتان الفرنسية والأميركية، حثّتا على كتابة دساتير جديدة. لكن المؤلف يرى أن الفرنسيين كانوا «أكثر عقلانية» ولم يتصوروا أنه يمكنهم «تغيير المشاعر البشرية» التي تحركها المصالح دائما.
ويشرح المؤلف أنه إذا كان «الموديل» الأميركي للثورة قد أثار لفترة إعجاب الفرنسيين فإن هذا لا يمنع واقع أنهم قد تخلّوا عنه بسرعة. ذلك أن الثوريين الفرنسيين اعتبروا أن لهم خصوصياتهم وامتيازاتهم على الآخرين. ذلك بمعنى أن الأمة الفرنسية هي التي تستطيع وحدها أن تحدد ما هو صالح لها وهي «لم توجد كي تأخذ نموذجا من الآخرين بل كي تعطيهم النموذج».وينقل المؤلف في هذا السياق عن عالم الاجتماع والمؤرخ الشهير المختص بالثورتين الأميركية والفرنسية الكسي دو توكفيل قوله: «لم يكن هناك فرنسي واحد ليس على قناعة أنه لن يغيّر الحكم في فرنسا فحسب ولكن سوف ينشر في العالم مبادئ جديدة يمكن تطبيقها من قبل جميع الشعوب وهي مكرّسة لتجديد الوجه الكامل لشؤون الإنسانية كلها».
وينتهي المؤلف إلى القول بخصوص الثورة الفرنسية ومبادئها عن المساواة والعدالة أنها لم تمنع كلها فرنسا اليوم من البحث عن تحديد «هوية فرنسية ذات صيغة ثابتة وغير قابلة للنقاش». لكن تبقى هناك برأي المؤلف، عدة أوراق تلطّف من تطرّف الآراء، وليس أقلها وجود تقليد قديمة لا تذهب في هذا الاتجاه المتطرف. وبهذا المعنى تبقى الديمقراطية الفرنسية هي وريثة الثورة الفرنسية والنظام القديم بالوقت نفسه. هكذا لا تنتهي مسيرة التاريخ ولا تتوقف، لكنها تتغذى دائما مما أسماه المؤلف «ثورات الحرية»، في عنوان الكتاب.
المؤلف في سطور
فيليب رونو هو أستاذ في جامعة السوربون وعضو قديم في المعهد الجامعي لفرنسا. كان قد أشرف عام 1996 على عمل موسوعي ضخم تحت عنوان «قاموس الفلسفة السياسية».من مؤلفاته: «ماكس فيبر ومعضلات العقل الحديث» و»نهاية المدرسة الجمهورية» و»مصادرة القانون للديمقراطية»، الخ.
بين الفرنسيين والإنجليز
يرى المؤلف أنه يكفي الانتقال من الشاطئ الأوروبي للقارة إلى شبه الجزيرة البريطانية لمعرفة كم هو الفرق كبير بين الثورتين الانجليزية والفرنسية رغم القرب الجغرافي. فعلى الجانب الانجليزي، عندما قام البريطانيون ب»ثورتهم المجيدة» عام 1288 خلعوا الملك عن عرش المملكة المتحدة لكنهم احتفظوا بالنظام الملكي الذي لا يزال قائما حتى اليوم. وإذا كانوا قد تجاوزوا الكثير من قوانين توريث الحكم التي كانت قائمة باسم ترسيخ أسس الصالح الوطني العام.
الكتاب: ثورات ثلاث للحرية: انجلترا، أميركا، فرنسا
تأليف: فليب رونو
الناشر: المطبوعات الجامعية الفرنسية (بوف) باريس 2009
الصفحات: 400 صفحة
القطع: المتوسط
Trois révolutions de liberté : Angleterre, Amérique, France
Philippe Raynaud
PUF Paris - 2009
p.400
