كانت كوبا خلال فترة الحرب الباردة بمثابة موقع متقدّم للمعسكر الاشتراكي على بوابات الولايات المتحدة. ذلك منذ وصول فيدل كاسترو إلى السلطة في هافانا عام 1959. إن الكتب التي اهتمت بكوبا وبالعلاقات الأميركية الكوبية كثيرة. لكن لعلّ كتاب الباحثة جوليا سويغ، الصادر عن جامعة اكسفورد مؤخرا هو أحد أهم هذه الكتب. ذلك أن مؤلفته مديرة دراسات أميركا اللاتينية في مجلس الشؤون الخارجية الأميركي، أمضت سنوات من البحث عن كوبا التي تعرفها جيّدا من الداخل.
وكتاب «كوبا، ما ينبغي أن يعرفه كل إنسان عنها»، ليس كتابا سياحيا، كما قد يتبادر للذهن في الوهلة الأولى، لكنه كتاب «أكاديمي» تقدّم مؤلفته صورة لكوبا ودورها على المسرح الدولي خلال السنوات الخمسين الأخيرة المنصرمة. ويتم التركيز في المقدمة على ملامح الصورة الجديدة في كوبا اعتبارا من عام 2006، أي منذ أن تنحّى فيدل كاسترو، الرئيس التاريخي لكوبا الثورية الحديثة، لأخيه راوول كاسترو عن السلطة. هذه الفترة الأخيرة، اتسمت، كما يتم رسمها، بقدر كبير من الدينامية. وإذا كانت المؤلفة تركّز في تحليلاتها على السنوات الأخيرة فإنها لا تهمل بالمقابل البعد التاريخي إذ تعود إلى الحديث عن كوبا منذ الحرب الاسبانية ـ الأميركية لتؤكد من خلال ذلك على عمق البعد التاريخي في العلاقات الكوبية ـ الأميركية قبل فترة التباين الراهن التي بدأت منذ النصف الثاني من القرن الماضي.
وتقوم المؤلفة بتوزيع مواد كتابها بين أربع فترات تغطي الأولى منها «فترة ما قبل فيدل كاسترو»، وتخص الثانية «فترة الثورة منذ عام 1959 وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي». وتحمل الثالثة عنوان «فترة ما بعد الحرب الباردة» كي تنهي المؤلفة كتابها بدراسة ما تسميه «الفترة الغامضة وغير واضحة المعالم لما بعد فيدل كاسترو».
وترى المؤلفة أن إحساس الكوبيين تاريخيا هم أنهم في موضع «الضعيف» الذي عليه أن يقابل «العملاق»، إنما يغذي عندهم الإحساس القومي. ويتم هنا ذكر الكتابات السابقة للكاتب الكوبي «خوسيه مارتي» في منفاه والتي طالب فيها بالاستقلال عن اسبانيا مع التحذير من أي تدخل تقوم فيه الولايات المتحدة. لكن الأميركيين تدخلوا وهزموا الاسبان عام 1898 ليقوموا باحتلال عسكري للجزيرة اعتبره الكوبيون إهانة لهم وهم الذين قاتلوا من أجل الاستقلال.
لقد غادر الأميركيون الجزيرة في مطلع القرن العشرين لكنهم سيطروا لعقود على اقتصاد كوبا إذ كان بيدهم 40 بالمئة من صناعة السكر و50 بالمئة من السكك الحديدية و90 بالمئة من الخدمات الهاتفية والكهربائية. ضمن مثل هذا السياق وصل فيدل كاسترو إلى السلطة عام 1959 بعد انتفاضة بدأت ب135 ثائرا عام 1953.
ما يتم التأكيد عليه هو أن موجات كبيرة من المهاجرين الكوبيين قصدت الولايات المتحدة بعد وصول فيدل كاسترو إلى السلطة في كوبا عام 1959. وقد تركّز أولئك المهاجرون خاصة في ولاية فلوريدا. ووصل وزنهم «الديموغرافي» إلى درجة كبيرة جعلت جميع المرشحين والرؤساء الأميركيين يولون أهمية كبيرة للكوبيين، وذوي الأصول الكوبية، فوق أراضيها..
وتسأل المؤلفة: لكن هل يعرف الأميركيون بأغلبيتهم حقيقة كوبا؟
وتقول الإجابات المقدّمة أنه رغم الضجة الكبيرة التي نسميها عن كوبا في الولايات المتحدة، فإن الأغلبية الساحقة من الأميركيين لا يعرفون عنها سوى ما تقدمه لهم الدعايات. وأن اهتمامهم فيها ليس عميقا ولا تأخذ من تفكيرهم حيّزا كبيرا. هذا باستثناء بعض الهبّات عندما تتفجر بعض الأحداث أو القضايا التي تثير الخوف في أميركا مثلما حدث أثناء أزمة الصواريخ السوفييتية المنصوبة في الجزيرة عام 1962 والتي لم يقبل الرئيس جون كندي أي حل سوى تفكيكها وإعادتها إلى روسيا.
لكن بالمقابل أصبحت كوبا بمثابة «وسواس» لدى القادة والمسؤولين الأميركيين منذ قيام سلطة شيوعية فيها. وبالمقابل غدت السياسة الأميركية متغلغلة في جميع مناحي الحياة في كوبا مما جعل الكوبيين العاديين عاجزين عن «نسيان» القوة العظمى المجاورة. من هنا تبدو الصفحات التي تكرّسها المؤلفة لدراسة التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها كوبا على الصعيد الداخلي هي بنفس الوقت عن العلاقات الأميركية-الكوبية مثلما هي عن كوبا نفسها.
بهذا المعنى يتم القول أن «ذراع الولايات المتحدة الطويلة» وصلت باستمرار إلى الجزيرة عبر آليات وسبل مختلفة. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أهمية سياسة الانفتاح التي أعلنها الرئيس الأميركي باراك اوباما على كوبا، وذلك من أجل انطلاقة جديدة في العلاقات بين البلدين.
وهذه الانطلاقة تتطلّب، كما ترى المؤلفة، إعادة نظر حقيقية بالعلاقة مع «الثورة الكوبية» التي استطاعت البقاء بعد نهاية الحرب الباردة، كما كانت قد استطاعت الصمود في مواجهة تسعة رؤساء أميركيين طيلة العقود التي كان فيها كاسترو على رأس السلطة في هافانا.
وما تؤكده المؤلفة في الصفحات الأخيرة من الكتاب هو أن كوبا في عهد ما بعد كاسترو، تُظهر بعض علامات «الإصلاحات التدريجية» إلى جانب بعض مؤشرات «الشفافية» في تسيير أمور الدولة. لكنها تؤكّد بالمقابل أن «الديمقراطية السياسية القائمة على التعددية» لا تزال بعيدة.
المؤلفة في سطور
حصلت جوليا سويغ، مؤلفة هذا الكتاب، على شهادة الدكتوراه من جامعة جون هوبكنز بالولايات المتحدة الأميركية. وهي عضو بهيئة تحرير مجلة «فورنغ افير» باللغة الاسبانية. يعتبرها الأميركيون أحد أهم خبرائهم بأميركا اللاتينية عموما وبالشأن الكوبي بصورة خاصة. من كتبها: «في قلب الثورة الكوبية» و»العلاقات الأميركية-الكوبية في القرن الحادي والعشرين».
عملية خليج الخنازير
الكوبيون مهمّون في منظور الاستفادة من أصواتهم الانتخابية ولكن أيضا، وربما أساسا، من أجل استخدامهم كأدوات في خلخلة نظام فيدل كاسترو كما يدل العدد الكبير من ذوي الأصول الكوبية الذين شاركوا في عملية «خليج الخنازير» الفاشلة الشهيرة ضد كاسترو. وليس الرؤساء هم وحدهم الذين يهتمون بكوبا، لكن المواطنين الأميركيين عامة بهذا البلد القريب من بلادهم من ناحية البحر الكاريبي.
الكتاب: كوبا: ما ينبغي أن يعرفه كل إنسان عنها
تأليف: جوليا سويغ
الناشر: جامعة اوكسفورد 2009
الصفحات: 304 صفحة
القطع: المتوسط
Cuba : what everyone needs to know
Julia Sweig
Oxford University Press- 2009
p.304

