في عام 1978 صدر كتاب «سقوط الشيوعية الرأسمالية: دراسة جديدة للتاريخ» لمؤلفه الاقتصادي الأميركي «رافي باترا» وقد أولى فيه أهمية كبيرة للتاريخ في دراسة العلوم الاقتصادية النظرية. كانت الأطروحة الأساسية في ذلك الكتاب هي أن عصر الرأسمالية سوف ينتهي قريبا في الغرب الذي يُعدّ مهد هذه الرأسمالية. وكان ذلك يستدعي برأيه - عام 1978- سقوط العصر المقابل المعروف آنذاك باسم الشيوعية.

في هذا الكتاب الجديد «العصر الذهبي الجديد» الذي يبشر فيه المؤلف بقدوم الثورة ضد الفساد السياسي والفوضى، كما يدل عنوانه الفرعي، يأتي في نفس السياق وقد كانت طبعته الأولى في عام 2007، ثم أعاد النظر فيها على ضوء المستجدات وخاصة الأزمة المالية العالمية، لتكون هذه الطبعة الجديدة. إن المؤلف يعود من جديد للحديث عن مظاهر «فساد» الرأسمالية المحكوم عليها، حسب رأسه، بالانحدار خلال عدة عقود وذلك على خلفية سببين أساسيين هما «تفاقم واقع انعدام المساواة» من جهة و»المضاربات التي لا تراعي أية حدود» من جهة أخرى. هكذا كان رافي باترا من بين القلائل الذين توقعوا الأزمة المالية العالمية الراهنة منذ سنوات. للإشارة كان المؤلف قد توقع أيضا سقوط حكم الشاه في إيران وصعود نخب جديدة.

ويرى المؤلف أن المشاكل الاقتصادية العالمية هي نتيجة مباشرة لحالة «الفساد العالمي» أيضا. هذا الفساد يسمح، كما تقول التحليلات المقدّمة، بتزامن وتعايش ازدياد إنتاجية العمل مع تجميد الأجور الذي يعرف أسوأ صوره في كل من الولايات المتحدة والصين.

ويتم التأكيد هنا أنه عندما يكون على العاملين أن يصبحوا «أكثر فاعلية» و»أفضل إنتاجية» بينما لا تزداد أجورهم بنفس النسب التي تعرفها زيادة الإنتاج، فإن الأمر لا يفتقر إلى العدالة فحسب، ولكنه سيئ جدا بالنسبة للاقتصاد. إن الجميع يبدون رضاهم، بل وفرحتهم، عندما يرتفع الإنتاج بفضل التكنولوجيات الحديثة، لكن عندما لا تعرف الأجور نفس القفزة تنبثق المشاكل بالضرورة.

هذا النوع من «الفساد» الذي يعرفه النشاط الاقتصادي في البلدان المتقدمة اليوم يولّد خللا كبيرا، ذلك أن الإنتاج هو المصدر الرئيسي للعرض بينما أن الأجور هي المصدر الأساسي للطلب، وعندما تنخفض الأجور ينخفض بالطبع الطلب. الطريقة الطبيعية لتصحيح هذا الخلل هي تبنّي سياسات رفع الأجور، لكن الحكومات في شتى أنحاء العالم لا تريد ذلك. بل تلجأ بالمقابل إلى الاستدانة التي تغدو وسيلة لزيادة الطلب.

لكن لا يمكن للديون سوى أن تتوقف ذات يوم بعد فترة من التباطؤ. عندها تكون البنوك المركزية مدعوة إلى ضخ الأموال في المنظومة المصرفية. بكل الحالات لا يمكن للجهود المبذولة في هذه الدورة كلها أن تستمر إلى ما لا نهاية، وليس هناك أي نظام اقتصادي يمكنه أن يعيش عبر اللجوء دائما إلى ديون جديدة.

ويخلص المؤلف في تحليلاته إلى القول ان أشكال «الفساد» المختلفة التي تعاني منها آليات النشاط المالي والاقتصادي العالمي هي تدفع بوضوح نحو الفوضى. بل لا يتردد في القول ان الفوضى قد حلّت أصلا وهي في طريقها نحو التفاقم. بالتالي لن يكون هناك استقرار وازدهار إلا إذا جرى اتخاذ إصلاحات اقتصادية عميقة، وإلا فإنه علينا أن ننتظر ما هو أسوأ.

ورغم التهديد الكبير بالفوضى التي كان المؤلف قد «وعد» بها في كتبه ودراساته السابقة منذ عقدين من الزمن، فإن رافي باترا يشير في هذا الكتاب «العصر الذهبي الجديد» بإمكانية «تغيير الاتجاه» شريطة القيام بثورة ضد قوى الفوضى. ولا يتردد هذه المرّة بتوجيه تهمة «الفساد» لجميع أولئك الذين يساهمون، كل من موقعه، في تعميق الفوضى.

ويتمثل هؤلاء في شرائح كبيرة تضم رجال سياسة وأكاديميين جامعيين ورؤساء شركات وأثرياء مضاربين. باختصار يعرّف الفساد كتعبير من «كل سياسة تزيد من ثراء الأثرياء ومن بؤس البؤساء».

وإذا كان المؤلف يتحدث من ظاهرة «الخلل» في النشاط الاقتصادي العالمي فإنه يكرّس اهتمامه الأكبر لدراسة «الحالة الأميركية» والمجتمع الأميركي والفرد الأميركي. وهو يحدد أربع فئات من الأشخاص تتسم بسلوكيات ترمي إلى النجاح. وتتمثل هذه الفئات، حسب تصنيفه في «المحاربين » حيث ينضوي في هذه الفئة رجال الشرطة والإطفاء والجنود والرياضيين المحترفين، وجميع أولئك الذين يعتمدون على «مؤهلاتهم البدنية» من أجل تحقيق النجاح.

الفئة الثانية يمثلها «المثقفون» الأكثر تزودا بالقدرات الذهنية ولكن الأقل مقاومة على الصعيد البدني من المحاربين. وبين هؤلاء الأساتذة والمؤلفون والباحثون العلميون والفنانون والأطباء والمحاماة ورجال الدين. ثم فئة «المتنفّعون» الذين يعرفون كيف يصلون إلى المال وفي عدادهم التجّار ورجال الأعمال والمقاولون والمصرفيون، الخ. الفئة الأخيرة هي فئة «العاملين» وهؤلاء يختلفون عن الآخرين الذين ينظرون إليهم «من أعلى ، ويتواجدون في جميع المهن والحرب.

إن العلاقة بين هذه الفئات يجدها المؤلف في المجتمعات الغربية الرأسمالية عامة عبر «الطبقات الاجتماعية»، إنما التي لا تنقسم على أساس الدخل ولكن على أساس المهمة في المجتمع. لكن المؤلف يؤكّد أنه لا يمكن لأية طبقة أن تسود إلى ما لا نهاية. فالقوة تنتقل من طبقة إلى أخرى عبر «دورات اجتماعية». هكذا كان «المحاربون» هم سادة عصر تبعه عصر المثقفين. ثم «اندمج» هؤلاء شيئا فشيئا بفئة «المتنفّعين» الذين يملكون «حلبات القوة» بينما يمثل «العاملون» الوجه الآخر من الميدالية.

المؤلف في سطور

رافي باترا، اقتصادي أميركي، وأستاذ في جامعة داموس بولاية تكساس. باكستاني المولد وكانت أسرته قد انتقلت إلى دلهي حيث عمل والده أستاذا للغة السنسكريتية. نال رافي باترا شهادة الدكتوراه بالعلوم الاقتصادية من جامعة «الينوا» بالولايات المتحدة. من كتبه: «الكساد الكبير لسنوات التسعينات» الذي لاقى نجاحا كبيرا. و»سقوط الشيوعية والرأسمالية: دراسة جديدة للتاريخ» و»خيبة الأمل الأميركية الكبرى».

الكساد والبطالة

يشرح المؤلف في كتاب «العصر الذهبي الجديد» آليات التباطؤ الاقتصادي وبالتالي تراجع دور القوى الكامنة وراءه، هذا مع ترقب مستقبل أفضل بعد عملية صراع حقيقية مع من يريدون الإبقاء على النظام القائم كما هو. ويحدد القول أن أزمة قطاع البناء في أميركا، وعلى إثرها في العالم، بدأت عمليا في منتصف عام 2007، وولّدت حالة الفوضى التي ظهرت بوضوح في مطلع عام 2008.

بالنتيجة يعاني الاقتصاد من الانحسار بالتوازي مع تعاظم ظاهرة البطالة. لذلك يرى المؤلف أن «الثورة المطلوبة» لمحاربة الفساد التي يحدد في كتابه معالمها هي التي يمكنها أن تقدم حلولا قابلة للحياة، وإلا فإن الأزمة يمكن أن تتحوّل إلى «كساد كبير» على شاكلة الذي عرفه العالم عام 1929.

الكتاب: العصر الذهبي الجديد، الثورة القادمة ضد الفساد السياسي والفوضى

تأليف: رافي باترا

الناشر: بلغراف مكميلان نيويورك 2009

الصفحات: 256 صفحة

القطع: المتوسط

The new golden age

Ravi Batra

Palgrave McMillan New York 2009

p.256