كانت المؤرخة الفرنسية سيمون بيرتيير قد كتبت أعمالًا ودراسات عن تاريخ فرنسا وملوكها وملكاتها. لكنها في كتابها الأخير «دوماس والفرسان الثلاثة» خرجت قليلًا عن القاعدة حيث انها تكتب عن «تاريخ رائعة أدبية».

الرائعة الأدبية المقصودة هي «الفرسان الثلاثة» لمؤلفها الكسندر دوماس. ومن هنا جاء عنوان الكتاب: «دوماس والفرسان الثلاثة» وتبدأ المؤلفة بالسؤال: هل كان الكسندر دوماس روائيا؟ وتجيب بلا تردد بالنفي القاطع لتقول ان دوماس كان قد رأى نفسه من خلال مشربين أساسيين في الحياة هما الكتابة المسرحية والنشاط السياسي. وتروي أن ملك فرنسا «لويس فيليب» سدّ أمامه ذات يوم طريق السياسة عندما قال له بلطف: «أنت شاعر، فاكتب شعرا».

لم يكن الشعر، بالمعنى الدقيق هو مركز اهتمام الكسندر دوماس، ولكن المسرح. وهكذا ساهم هو، وفكتور هوغو، الشاعر والروائي والمسرحي الكبير بتنشيط المسرح الكلاسيكي الفرنسي. وإذا كان هوغو قد قدّم رائعته الشهيرة «هيرناني» فإن دوماس ثبّت قاعدة «الوحدات الثلاث» في المسرح عبر مجمل أعماله.

وتقول المؤلفة في تحليلاتها ان تحوّلا كبيرا جرى في مسار الكسندر دوماس في السنوات الأخيرة من حياته حيث كانت عبقريته المسرحية قد دلّت على أنه بطريق النضوب. وقد كان دائما، حتى في تلك السنوات، يزدري في أعماقه الرواية التاريخية حيث كان يعتبرها نوعا من «تزوير» التاريخ. لكن تلك المرحلة من الزمن عرفت حدثين كبيرين كان لهما أثرهما في دفعه لإعادة النظر في مواقفه. الحدثان المعنيان كانا شيوع الصحافة ذات التوزيع الكبير بفضل تطوير تقنيات الطباعة بعد اختراع المطبعة من قبل غوتنبرغ. والحدث الثاني هو انتشار نوع جديد من الكتابة تمثّل في «الرواية على حلقات».

وفي مثل ذلك السياق وبمحض الصدفة وقع بين يدي الكسندر دوماس كتابا قديما يعود نشره إلى عام 1700 تحت عنوان «مذكرات السيد ارتانيان». كان الكتاب مكتوبا بشكل سيئ لكن انطلاقا منه صاغ رائعة أدبية حقيقية هي «الفرسان الثلاثة». إنهم في الرواية ليسوا ثلاثة في واقع الأمر، بل أربعة. وهكذا كان قد صدر منذ فترة كتاب عن الكسندر دوماس نفسه تحت عنوان: «الفارس الخامس».

وتشير المؤلفة إلى أن المشكلة الكبيرة التي واجهها الكسندر دوماس في مشروعه «الروائي» كانت في واقع أن «مخيلته» لم تكن تعمل سوى انطلاقا من الواقع. هذا فضلا عن أنه كان بحاجة للحديث قبل الكتابة. ذلك أن الكلام لديه هو الذي يحرر الكتابة. ومن هنا برزت في حياته شخصية أساسية فيما يتعلق بالتوثيق. ولكن أيضا، وربما أساسا، في الإصغاء لدوماس وهو يتحدث دون توقف. ولم يكن «ماكيه» كذلك فقط، بل كان مشاركا في تأليف الروايات الكبرى التي أنجزها الكسندر دوماس في السنوات الأخيرة من حياته.

لقد عمل الرجلان معا لمدة سبع سنوات وبشكل يومي. كان «ماكيه» يصوغ بضعة صفحات كي تصبح عبر قلم الكسندر دوماس العشرات. لكن تلك «الشراكة» التي استمرّت لسنوات انتهت إلى خلافات كبيرة وللمثول أمام المحاكم. ذلك أن «ماكيه» لم يكن يريد الاكتفاء بتقاسم ما يجنيه دوماس من «مؤلفاته» ولكنه كان يريد أن يتقاسم معه المجد والشهرة أيضا.

«الفرسان» الثلاثة»، أي ارتانيان واتوس وبورتوس واراميس كانوا يقومون بمجموعة من المغامرات، وكان دوماس، صاحب العمل، قد وجد نفسه في شخصية ارتانيان. أما أهم السمات التي تميّزت بها كتابته فيتم تحديدها في «التنظيم، والوضوح، ومنطقية التسلسل إلى حد يقارب العلمية».

كما ظهر في كتابته «الحس المسرحي» من خلال الحوارات، الطويلة أحيانا بين «فرسانه». ومن سمات أسلوب دوماس أيضا هو أنه كان يبرز شخوصه وفي بصدد «الفعل» مباشرة. ذلك على أساس مبدأ هو أنه «ينبغي الحديث عن الشخوص بعد دفعها إلى الظهور» وليس قبل ذلك، مثلما كان يفعل بلزاك مثلا.

كانت رواية «الفرسان الثلاثة» قد اكتملت في شهر يوليو 1844. وما كانت لتنتهي حتى بدأت الصحافة آنذاك تنشر «حلقات» من رواية دوماس الجديدة «الملكة مارغو». كانت القاعدة المطلوبة، في كتابة الرواية على حلقات هي تجنيب القارئ السأم وعدم صدم مشاعره.

وهذا ما نجح فيه الكسندر دوماس، لكن عبر «عدم الأمانة» أحيانا مع التاريخ. ومؤلفة هذا الكتاب تكشف عدة مواقف تفتقر إلى الدقة كجهله على سبيل المثال أن فرنسا واسبانيا لم تكونا في حالة حرب بينهما خلال سنوات 1825-1828. لكن المؤلفة تضيف: «رغم أنه كان يغش في الوقائع والتواريخ، إلا أن مفهومه الشامل للتاريخ كان صحيحا».

وما يتم التأكيد عليه هو أن رواية «الفرسان الثلاثة» التي ظهرت في فرنسا بأواسط القرن التاسع عشر لا تزال تحظى بمن يقرؤها في العالم أجمع ودون انقطاع. وكانت قد تمت ترجمتها منذ العالم الثاني لصدورها 1844 إلى عشرة لغات. وكان ذلك استثناء كبيرا آنذاك.

المؤلفة في سطور

سيمون بيرتيير، مؤرخة فرنسية. قدّمت سيرة حياة عدد من ملكات فرنسا وشخصياتها الكبرى في التاريخ من أمثال «كاردينال دو ريتنر» و«مازاران» و«ماري انطوانيت»، الكتاب الذي حاز على جائزة الأكاديمية الفرنسية وجائزة السفراء عام 2002.

بدون علامات التنقيط

كان الكسندر دوماس يعمل يوميا ساعات طويلة قد تصل أحيانا إلى 12 ساعة. وكان يستخدم بالكتابة ريش الإوز وأوراقا ذات لون أزرق من القطع الكبير. وكان بغية «عدم إضاعة الوقت»، لم يكن يستخدم علامات التنقيط. إن «المؤلفة تؤكد، بالاستناد على إرفاق بعض صور الصفحات المكتوبة بخط دوماس، أنه كتب رواياته الكبرى دون توقف، بل أنه كان يكتب فيها كلها أحيانا دفعة واحدة».

الكتاب: دوماس والفرسان الثلاثة

تأليف: سيمون بيرتيير

الناشر: فالوا باريس 2009

الصفحات: 301 صفحة

القطع: المتوسط

Dumas et les mousquetaires

Simone Bertière

Falloi s - Paris 2009

p.301