التفاصيل التاريخية الدقيقة والمتناهية في الصغر، حياة ما قبل النفط وما قبل قيام اتحاد الإمارات، الحياة الاجتماعية التي دبت بين تلك الخيام وبيوت الطين والسعف، فوق تلك الرمال البيضاء ومساحاتها الشاسعة، الشخوص بمختلف مستوياتها الاجتماعية واختلافاتها وانعطافاتها، يوم كان عدد السكان، قليلاً، ويوم كان من السهل على أي فرد أن يعدد أسماء من يقطنون بلدته أو قريته، الحياة الاقتصادية في تلك الصحراء وأمام تلك السواحل، الحياة السياسية، حياة القلاع والحصون ومجالس الشيوخ، والقيادات التي كان لها دور بارز في صون هذا المجتمع القائم على الصيد والتجارة والسفر.
تفاصيل غاية الدقة، لا تحملها اليوم أوراق الصحف، ولا كتب المنهاج المدرسي ولا الكتب المتناثرة في المكتبات، ولا المداولات الثقافية في المنتديات والملتقيات التي تقرأ جانباً من ماضي هذه الرقعة من الأرض وأناسها، حياة غابت وراء أغلفه المراجع التاريخية الثقيلة، القليلة والنادرة، المرصوصة هناك على أرفف المكتبات الخاصة، بعيداً عن الحياة. فتاريخ الإمارات، تاريخ تفاصيل قد خزن جزء منها وكبير في تلك المراجع والقراءات، وجزء منها تتناقله الثقافة الشفاهية وتبخر منها ما تبخر مع هواء الكلام المتطاير والرواة الذين غابوا عن الحياة، وجزء كبير منه مكنوز السير الذاتية للرموز من الشخصيات التي كانت أكثر قرباً من الحدث وصناعته، تسكن تلك التفاصيل التاريخية تلك الأمكنة.
أحداث مرت من الأربعينات والخمسينات والستينات، وهي عقود المخاض الذي سيولد من بعده اتحاد الإمارات، ويجلب معه التنظيم المؤسساتي والعلم والنهضة، تلك التفاصيل الدقيقة التي قد لا تروى في المراجع التاريخية المتاحة للعامة، يصبح إعادة إنتاجها ووضعها بين يدي القارئ وبأسلوب يتغلب على جفاف السرد التاريخي، وصرامة التقرير المعلوماتي، بأسلوب سهل ممتنع، شاعري، وأقرب إلى القلب.
يصبح انجازاً مهماً للثقافة وللأجيال التي تكاد تنسلخ بإرادة ودون إرادة من هويتها. في كتابه الجديد «سرد الذات» يبحر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بتلك اللغة الشفيفة، التي تنقلب فيها الكلمات إلى مرايا، تحيل مشهد الحياة في تلك الحقب الزمنية إلى صورة سينمائية شديدة الدقة في ألوانها وتفاصيلها، إلى سرد تاريخ الأمكنة والوجوه والأحداث، سرد حكاية الارتحال إلى الفضاء الشاسع، انطلاقاً من الشارقة وبيوتها وحواريها، قصورها وقلاعها وحصونها، وساحاتها العامة، في رحلة بحث الصورة الخالصة والواضحة.
الأمة والحضارة والبحث عن حقائق تشي بملامح المستقبل، ففي كتاب سرد الذات، ليس هناك اتكاء على منظومة السيرة الذاتية والتزام بمنهجها، بل غوص يتسلح بأدوات قص ماهرة توظف طاقاتها الخلاقة، لصالح التلقي السهل والمريح والمشوق، وقراءة فلسفية لما كان يجري، واستبحار يعتمد التحليل النفسي، وقراءة لا تخلو من النقد التفكيكي، فك شفرة الإشارات والدلالات، فالسرد الذاتي، الذي يروي من خلاله المؤلف سيرة حياته وكفاحه، ابتداء من طفولته ومروراً برحلاته من أجل تحصيل العلم والمعرفة، وتسجيل وتعيين أحداث مرت على موطنه، وانتهاءً بآخر عنوان في الكتاب «زمن الشدة».
وتولي سموه مقاليد الحكم في إمارة الشارقة، في يوم عيد، وفي يوم معقد أيضاً، كما يؤشر إليه المؤلف، من خلال آخر الكلمات، أناس تعزي وأناس تهني بالحكم، يذهب سرد الذات وبإصرار فلسفي بعيداً نحو حكاية المكان والشخوص من خلال ذاكرة، عاهدت نفسها على أن تجلب الحقيقة، لتحقيق المزيد من الإفادة.
والصدق أمام مشهد التاريخ، فسرد الذات الذي يروي فيه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حكاية رحلته في بحر الحياة قبل توليه مقاليد الحكم وحكاية رحلة الشارقة، البلدة التي أسست ناديها الثقافي في تلك الظروف، هو في الحقيقة إعادة فتح دفتر الذاكرة على تفاصيل غاية في الأهمية، تفاصيل التكوين، وتفاصيل الحياة العامة بكل دقائقها، إن سرد الذات، وبالأسلوب الذي اعتمده سموه في الاشتغال على مونتاج تاريخي يدفع القارئ نحو التأمل والإفادة من المعلومات.
إنما يقدم وجبة دسمة للقارئ عن ملامح الهوية ومداميكها الأصيلة للوطن، إضاءة لطالما بقت مخبوءة في دفاتر التاريخ المتاح منه والموارى، وهذا ما يعزز أهمية هذا الكتاب الذي يأتي على سيرة شخصية تنز بالعبر، وتقدم نموذجاً لمواطن إماراتي كافح للوصول، وتقدم نموذجاً لوطن صمد أمام هزات التاريخ ليرسي سفنه على مراسي الراهن المزهر، مثلما تقدم وجبة غنية بالاستبار والتقصي وقراءة في جماليات الحياة في سيرتها الأولى. إن سرد الذات كتاب يتجاوز تدوين السيرة إلى محيط الكشف والقراءة الفلسفية.
يموضع الأحداث في مكانها من التاريخ وما يحيط بها من ترددات وانعكاسات، انه منجز يتجاوز فيه الأدبي التاريخي، ويتكئ فيه الأخير على الاستبار المحايد، تلمسات ذاتية للتاريخ، بريئة في مسها للحقائق ومنجز نصي يستفز على التأمل، ويحرك في المتعامل معه فضول المعرفة التي لطالما بقت ساكنه.
يفصل مؤلف كتاب السرد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، إلى أربعة وعشرين فصلاً، تتخذ فيها العناوين دلالات وإشارات، هي ذاتية، وهي نوافذ مختارة بعناية وعلى مدى أكثر من 418 صفحة، يسرد سموه ملامح نشأته وطفولته وشبابه وحله وترحاله، وفي خطين متوازيين يتقاطعان في كل مرة، وبمونتاج محترف، أحدهما يتتبع سيرة حياة المؤلف بدءاً من الخطوة الأولى نحو عتبة البيت ومروراً بالترحال في المحيط الكبير ومحطات السفر، وينتهي بتولي سموه مقاليد الحكم في الشارقة.
أما الخط الثاني فهو عبارة عن نوافذ يفتحها المؤلف على الواقعين السياسي والاجتماعي في حياة الوطن، الأحداث من حيث هي وكما هي خلف الأبواب المغلقة وأمامها، وصاحب السمو حاكم الشارقة، كمؤلف عبر سلسلة قيمة من الكتب التي تناولت تاريخ المنطقة، وما حولها، وعبر قلمه الجريء نيلاً لصلب الحقائق وتشذيبها من زيف الزمن، رسخ في علاقته بالقارئ السرد الباحث عن القيمة المعلوماتية.
ويأتي سرد الذات ليستمر عند سموه بالنسج على هذين الخطين المتوازيين، في مزاوجة لماحة تفرض قصيدتها على القارئ لكي تحركه باتجاه الإيغال أكثر في التفاصيل، إن كثيراً من الإشارات والتلميحات تظهر عبر جمل يموضعها سموه هنا وهناك، هي إشارات ومفاتيح لقارئ يبحث عن لبها الفكري.
في مقدمة «سرد الذات»، والتي تبدو وكأنها براءة، يكتب سموه «كتبت هذا الكتاب لأوثق فيه تاريخ أهلي وبلدي على مدى تسعة وعشرين عاماً، في أساليب من القول، بعد أن أزلت عنه الغث أو ما اختلط به، وأسميته سرد الذات، فالسرد هو إجادة سياق الحديث.
أما الذات فهو ما يصلح لأن يعلم ويخبر عنه، لقد أغفلت كثيراً من الحوادث والروايات لأناس قضوا نحبهم فذكرها يثير الضغائن التي سترها الله، جاء في الأثر «اذكروا محاسن موتاكم، غفر الله لهم جميعاً، المؤلف».وانطلاقاً من هذه المقدمة التي ترسم خط سير الحديث، يبحر صاحب السمو حاكم الشارقة في لجة التاريخ المحلي، يلتقط أحداثاً وباقات من قراءات متعددة المستويات، فبين التأريخ، وبين الشهادة على الوقائع، وبين إيضاحها وإزالة اللبس عنها، يبحر متأملاً وقارئاً ناقداً للسيرة ذاتها وما حولها.
كثيرة هي الحقائق التي يحك الفكر رأسه لأجلها، مثلما هي كثيرة تلك الالتقاطات من دراما ما يحيط وما في تلك الحياة من دقائق مثيرة للابتسام وللتعجب، ينزه سموه نفسه كثيراً في هذا الجانب حتى وان كان يسرد بعض بطولاته، وبعض المخاطر التي وجهها، ولا يضخم ذاته ولا أفعاله في سيرة السرد والحكاية، بل يبدو متواضعاً أشد التواضع، دافعاً بالأحداث لتأخذ دور البطولة، وهذا تصرف لا تندفع إليه إلا النفوس الكبيرة.
«سرد الذات» كتاب لا يمكن إضاءته،، بملخصات ترويجية صغيرة، أو مقتطفات، بل إن أهم ما يمكن الكتابة عنه، هي الدعوة لتصفحه والإبحار بين سطوره، ليس لأننا نرفعه عن القراءة النقدية الفاحصة، بل لأن سياقه يتكئ على نص يتموضع بين غايتين، بين غاية السيرة الذاتية وبين غاية اقتناص الحقائق والتسجيل التاريخي، ولأن الذهاب إلى مثل هذه المناطق وبين سياقات متعددة يحتاج إلى ربط كامل التفاصيل في سياقاتها الخاصة، فإن الكتاب لابد وان يقرأ كاملاً، لا مجتزءات منه.
يرحل «سرد الذات» عبر 14 فصلاً فوق ما يزيد على أربعمائة صفحة مدعمة بصور نادرة للمؤلف في مراحل عمرية مختلفة وأخرى للشارقة وحكامها ومناشطها السياسية والاجتماعية والثقافية في الأربعينات وما تلاها، وبلغة فيها الكثير من الجرأة، ترحل تلك الفصول عبر قلم المؤلف لتقدم ومضات مهمة في تاريخ البلد، ففي الفصل الثاني لمحة عن الظروف والأحداث التي مرت على المؤلف وعلى الشارقة إبان حكم الشيخ سلطان بن صقر القاسمي وتوسطه في خلافات الحكم في إمارة رأس الخيمة.
وإطلاق النار على الانجليز وما تلاه بعد ذلك من إبعاد الانجليز لوالد المؤلف عن الشارقة، وبتلك العملية المونتاجية البارعة يعرج المؤلف إلى بدايات التعليم في الإمارة وإرهاصات المرحلة، وتنهمر في هذا الفصل عناوين كثيرة، الحادثة، مدرستي، مصيف شعم، قطاع الطرق، وفاة الشيخ سلطان بن صقر القاسمي وتولي الشيخ محمد بن صقر القاسمي مقاليد الحكم في الشارقة، ثم النزاع على الحكم وتولي الشيخ صقر بن سلطان القاسمي الحكم فيها.
ويأتي الفصل الرابع الذي يفرد فيه المؤلف صفحات جيدة لتطوير التعليم في إمارة الشارقة، وفي الفصل الخامس، تتداخل لغة أدب الرحلات في سرد الذات، فيقدم المؤلف مقتطفات وتفاصيل عن رحلته إلى الحج ومروره بمحطات خليجية عديدة، البحرين، الدمام، جدة، المدينة المنورة ومكة المكرمة.
وفي قراءة تلك الرحلات لا يبخل المؤلف على قارئه بالتفاصيل الدقيقة التي تصور أوضاع تلك المرحلة التاريخية، يستمر سرد الذات في الفصل السادس ليربط المنطقة بالوطن الأم وليؤشر على مدى تفاعل أهل الشارقة والإمارات بما يجري في أرجاء الوطن العربي الكبير، ففي هذا الفصل يرصد المؤلف تأثيرات العدوان الثلاثي على مصر، والعمليات الانتقامية التي شارك فيها سموه ضد محطة القوات الانجليزية في الشارقة.
والمخاطر التي ألمت به هو ورفقاءه، ومنها حرق المحطة، وقطع أنبوب المياه الذي يشرب منه الانجليز. ثم تتوالى فصول كتاب «سرد الذات» إلى الفصل التاسع الذي يتحدث فيه المؤلف عن محاولة الولوج إلى حزب البعث مدفوعاً بأحلام الوحدة العربية وإعلاء الراية العربية في وجه الغاشم والمستعمر والمستبد، وكيف اكتشف عكس ذلك، حينما تبين أن آليات عمل هذا الحزب تنطوي على منطق خاطئ، لا يتورع عن التصفية وارتكاب الجرائم.
وفرار المؤلف من أتون هذا الحزب والانسلاخ منه سريعاً وقبل البداية، رحلة طويلة وأخبار وأحداث ووجوه ومحطات مرت بها حياة المؤلف كلها تستمر عبر 14 فصلاً، تقدم صورة سينمائية واضحة لما كان يجري ويحدث، وبنفس كاتب محايد أراد أن يوثق تاريخ أهله وبلده وتاريخ التفاعل مع أحلام وهواجس أمته، إن كتاب «سرد الذات» لم يقدم فقط جانباً من سيرة حياة حاكم الشارقة ولا ملامح من تاريخ الشارقة فقط، ولكنه يرصد أيضاً فكر مرحلة تاريخية مهمة سادت، ويضع القارئ على بوابات كانت مواربة في أماكن عديدة.
قصة حياة
مازال كتاب «سرد الذات»، لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، يحقق نسبة مبيعات كبيرة. ومازال الإقبال عليه من قبل المواطنين والمقيمين مستمراً نظراً لما يحتويه من قراءة دقيقة لأحداث ووقائع تاريخية مهمة. وكانت «منشورات القاسمي» قد كشفت النقاب عن أحدث إصدار لها باللغة العربية، «سرد الذات» في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2009، وهو عبارة عن قصة حياة صاحب السمو حاكم الشارقة والتي كتب فصولها بنفسه.
مس بريء للحقائق
«سرد الذات» منجز يتجاوز فيه الأدبي التاريخي، ويتكئ فيه الأخير على الاستبحار المحايد، تلمسات ذاتية للتاريخ، بريئة في مسها للحقائق ومنجز نصي يستفز التأمل، ويحرك في متلقيه فضول المعرفة التي لطالما بقت ساكنه.
مرعي الحليان

