يحاول كتاب تاريخ العراق في سنوات الاحتلال البريطاني لمؤلفه أسامة عبد الرحمن الدوري أن يقدم وصفا للعاصمة العراقية لحظة وقوعها تحت الاحتلال البريطاني ليلة 11 مارس 1917 التي كان سكانها خليطاً من المسلمين «الشيعة والسنة» ويشكلون الأغلبية. إذ كان عددهم حوالي (175) ألفاً، واليهود (50) ألفاً، أما المسيحيون فكان عددهم (15) ألفاً. وأن أبرز القبائل التي كانت تسكن بغداد هي قبيلة (الجبور) ، فهم بنو عمير وبنو رجاب والبريجات والدفافعة.
ويؤكد المؤلف أن الاحتلال قام في مجال التعليم بفتح مدرسة لأبناء الشيوخ العرب؛ كما فتحت مدرسة للمأمورين، وأخرى للمساحين، ومدرسة تجارية في أغسطس 1918 لتغطية احتياجات قوات الاحتلال من الكتبة في الدوائر العسكرية والمدنية ؛ كما كان مجموع المدارس الابتدائية والأولية الرسمية عام 1919(75)مدرسة؛ (56) منها تدرس اللغة العربية و(11) التركية و(6) بالكردية؛ وللشبك والفرس مدرسة لكلٍ منهما. كما أنه ازدادت أعداد المعلمين من (125) معلماً في ديسمبر 1918 إلى (300)نهاية عام 1919؛ وتراوحت رواتبهم الشهرية بين 30-40 روبية ؛ كما أسَّست قوات الاحتلال جريدة(العرب) لتهاجم العثمانيين وتمدح البريطانيين؛ وصارت تطبع(1500) نسخة وتوزع بشوارع بغداد بسعر بنس واحد ؛ وكان يشرف عليها المستر «فيلبي» ومن ثم المسز»بيل» وساعدهما الأب»انستانس الكرملي» وظلت تصدر حتى 31 مايو1921. ثم يشخِّص أسامة الدوري وضع مدينة «الديوانية» عشية احتلالها إذ ينتمي سكانها إلى أربع مجاميع قبلية:الخزعل ؛ الأكرع ؛ البدير ؛ عفج.
وقد دعت حاجة إدارة الاحتلال إلى إنشاء قوة من الشرطة لتنفيذ الأنظمة والتعليمات ؛ لكن هذه القوة كانت سيئة ؛ فتمَّ حلُّها وإنشاء قوة سميت(الشبانة) التي مقَتَها معظم أهالي الديوانية ؛ التي كان عملها هو تحقيق أوامر وطلبات الحكام السياسيين البريطانيين. ومع بدء الغليان الشعبي والتهيؤ للثورة ضد المحليين كان الناس قد ازداد احتقارهم وكرهم لقوات الشبانة؛ حتى عدَّ الانخراط في صفوفهم يلبس صاحبه ثوب الخزي والعار.
ويكشف المؤلف أن الديوانية عانت من فرض الضرائب عليها؛ إذ كانت واحدة من أكبر المقاطعات التي تدفع الضرائب في العراق للاحتلال.كما عانت من تردي الأوضاع الصحية ؛ وعدم وجود منشآت سوى ذلك المستوصف الصغير الذي افتتح أواخر أيام الدولة العثمانية قرب السراي القديم.
أما التعليم فقد بقي متدنياً إذ إن مجموع مخصص للتعليم في العام 1918-1919 للعراق كله(180) ألف روبية ؛ ارتفع في العام التالي إلى(886808)ألف روبية ؛ لم يكن نصيب الديوانية منها إلا(15) ألف روبية والسماوة ألفي روبية.
في «الكوفة» أقام البريطانيون علاقة طيبة مع شيخي أكبر تجمع عشائري؛ علوان وأخيه عمران الحاج سعدون ؛ ولا سيما بعد أن أثبتت تلك العشيرة مكانتها في أحداث آب وأيلول وتشرين أول 1917 والتي منحهما على إثرها الحاكم الملكي العام في العراق الميجر جنرال «سربرسي كوكس» راتباً شهرياً بواقع(300) روبية ؛ بل ومنح بعدها الشيخ علوان قرضاً(500) روبية بعد أن أشاد الحاكم السياسي بجهوده بأمور الري ؛ فضلاً عن أنه أبدى تعاوناً شريفاً في معاضدة الحكومة. كما أقام البريطانيون علاقة مع رجال الدين ذلك لمكانتهم وخطورة القرارات التي يصدرونها(الفتاوى) التي يلتزم بها كل الأتباع.
فحاولت كسبهم والاستعانة بعدد من المجتهدين لإعادة النظام والاستقرار في النجف والكوفة. أما «تكريت» فإنها احتلت يوم 12 يوليو 1918، وبعد احتلالها أصبحت تكريت مقراً لبعض قطعات الجيش البريطاني بل أصبحت واحدة من المناطق المهمة لانطلاق القوات البريطانية نحو الموصل ؛ وقامت بتوثيق علاقتها من عدد من شيوخ تكريت ؛ فاجتمع (80) شيخاً من شيوخ العراق ووجهائه يوم 17 سبتمبر 1918 مع القائد البريطاني العام في بغداد؛ ولم يحضر من تكريت إلا الشيخ عبد الكميت أحد شيوخ البوناصر؛ وهذا الرجل كانت خدَعته القوات البريطانية.
المؤلف في سطور
د. أسامة الدوري من مواليد العراق سنة 1954 يحمل دكتوراه في التاريخ المعاصر 1989 ؛ ويدرِّس في قسم التاريخ (كلية الآداب) بجامعة بغداد منذ عام 1991 ؛ وتنقل أستاذاً وباحثاً بين ليبيا والأردن 1994-2002 وصدر له: تطور سياسة العراق النفطية 1952-1963 بغداد 2003 ؛ العلاقات العراقية-الأميركية في سنوات الحرب العالمية الثانية 2006.
بكاء ونحيب
ذكر شاهد عيان إن البغداديين والبغداديات صاروا يجهشون بالبكاء والنحيب عندما ذهبوا إلى القشلة ليشهدوا مراسم إنزال العلم التركي ورفع العلم البريطاني، والدافع هو إنزال علم دولة مسلمة مدحورة ورفع علم دولة مسيحية منصورة.
الكتاب: تاريخ العراق في سنوات الاحتلال البريطاني
تأليف : د. أسامة عبد الرحمن الدوري
الناشر: دار الشرق دمشق 2009
الصفحات : 208 صفحات
القطع: الكبير
أنور محمد

