تعتبر قضية دارفور بكافة تداعياتها إفرازاً لطبيعة العصر أحادي القطب، فقد تفجرت هذه المشكلة في عام 2003م نتيجة أسباب عادية قد تحدث في أي مجتمع ويستطيع أي مجتمع أن يحتوي آثارها، أو يتداركها، فمنذ ظهور الحياة على وجه الأرض وطبيعة الصراع موجودة والذي يعمل على إيجاده غريزة حب البقاء.
ولكن مع الظروف المحيطة بالعالم الإسلامي والعربي أخذت هذه المشكلة أبعاداً أكبر من حجمها الطبيعي، هذا ما يؤكده كتاب «دارفور التاريخ والصراع والمستقبل» للباحث د. عبدالنعيم ضيفي عثمان والذي يضيف: قضية دارفور أخذت أبعادها الحالية نتيجة تدخل أطراف أجنبية في المشكلة.
ونتيجة لثروات متوقع ظهورها في الإقليم كالبترول، والذي أصبح سلعة مطلوبة في كل دول العالم، ومن يسيطر على منابعه يمتلك كل أسباب القوة وأصبح النفط في بعض البلاد المنتجة بمثابة نقمة في أحايين كثيرة، لأنه قد يتسبب في أن تصبح الدولة المنتجة له تخضع لنفوذ الدول التي تعتمد عليه في كافة مناحي الحياة فيها، ولذلك أصبح البترول سلعة استراتيجية هامة.
وأصبح بمثابة قاطرة للتدخل الأجنبي في شؤون الدول المنتجة له، من هنا تبرز أهمية الكتابة عن موضوع دارفور، هذا الإقليم الذي يقع في غرب السودان، والذي تبلغ مساحته خمس مساحة السودان، والذي بدوره أكبر البلاد العربية مساحة، حيث تقدر مساحة دارفور بخمس مساحة السودان وتبلغ 510 آلاف كيلومتر، وتحد الإقليم ثلاث دول: من الشمال الغربي ليبيا ومن الغرب تشاد ومن الجنوب الغربي إفريقيا الوسطي، فضلا عن متاخمته لبعض الولايات السودانية مثل شمال بحر الغزال وكردفان من الشرق والشمالية من الشمال الشرقي.
يمتد الإقليم من الصحراء الكبرى في شماله إلى السافنا الفقيرة في وسطه إلى السافنا الغنية في جنوبه، به بعض المرتفعات الجبلية وأهمها جبل مرة الذي يبلغ ارتفاعه 3088م حيث توجد أكثر الأراضي الدارفورية خصوبة، كما ينقسم الإقليم إداريا إلى ثلاث ولايات: شمال دارفور وعاصمتها مدينة الفاشر، وجنوب دارفور وعاصمتها مدينة نيالا، وغرب دارفور وعاصمتها مدينة الجنينة.
ويرى الباحث أن قضية دارفور مثال صارخ على كيفية استغلال المشكلات المحلية واستخدامها كمطية للسيطرة على مقدرات الشعوب، والمتتبع لتاريخ القضية يجد أنها لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه لولا التدخل الأجنبي.
وصعوبة تناول هذا الموضوع تكمن في أنه من موضوعات السهل الممتنع بسبب أنه موضوع مازال مستمراً، وأن حدة الصراع تتصاعد فيه يوماً بعد يوم، كما أن الأحداث تتلاحق بسرعة تجعل الكتابة فيه أشبه بمن يحاول أن يصارع الزمن.
ومما يجعل الموضوع صعباً أيضاً صعوبة التنبؤ بنتائج الأحداث نظراً لكثرة المتغيرات عام 2007م. تاركين ما تأتي به الأيام.
ويشير الباحث إلى أن حرب دارفور حرب إعلامية في المقام الأول، لعب فيها الإعلام الغربي دورا كبيرا في إعطاء المشكلة بعدا أكبر من أبعادها الحقيقية، ولقد حظيت هذه المشكلة باهتمام إعلامي غربي لا يتفوق عليها الاهتمام الإعلامي بأحداث الحادي عشر من سبتمبر أو الحرب العراقية.
ويؤكد أن حل المشكلة لن يخرج عن أن يكون إفريقيا بجهود الاتحاد الإفريقي، وإن كان ينقص الاتحاد الدعم المالي، فبقليل من الجهود يمكن أن يلعب الاتحاد الإفريقي دورا أكبر في استيعاب المشكلة.
والكتاب يخضع القضية للمنهج الوصفي والتحليلي، ومقسم إلى فصل تمهيدي وخمسة فصول: الفصل التمهيدي يتناول جغرافية الإقليم وسكانه، ويوضح أثر هذه المعطيات البيئية على الإقليم.
أما الفصل الأول فيتناول تاريخ دارفور، وتاريخ سلطنة الفور والتي أخذ الإقليم اسمها، ثم يتواصل الحديث فيه عن أحوال الإقليم تحت الحكم المصري بمرحلتيه وتاريخ الإقليم في فترة الحرب العالمية الأولى، وهي الفترة التي شهدت انضمام الإقليم لجمهورية السودان في عام 1916.
ويتساءل الباحث: هل لدى السودان بدائل يستطيع أن يحل بها أزمة دارفور دون مدعاة للتدخل الأجنبي؟ ويجيب قائلاً: نعم يملك السودان من الإمكانيات الإدارية والفنية ما يستطيع بواسطتها تدارك أية مشكلة تواجهه في المستقبل سواء في دارفور أو في أي إقليم آخر، فالسودان يملك نظاما قضائيا عالي المستوى، ويملك أحزابا لها دور مؤثر «حوالي سبعة عشر حزبا»، كما يحتوي على منظمات مجتمع مدني قوي متماسكة.
وبالنسبة للفصل الثاني فعنوانه جذور المشكلة في دارفور، وتتناول موضوعاته أطراف المشكلة، واندلاع الحرب في الإقليم وموقف الحكومة السودانية من القضية، وكيف احتوتها حتى وصول الأحداث لاتفاقية أبوجا عام 2006م، كما يوضح الفصل دور القوى المحلية والإقليمية في محاولة علاج الأزمة التي حدثت في الإقليم.
وموضوعات الفصل الثالث تتناول دور القوى الإقليمية والدولية في المشكلة رغبة في معرفة انعكاسات الأزمة في دارفور على هذه الدول وكيفية تناولها للأزمة.
وبالنسبة للفصل الرابع فيتناول دور المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية في علاج الأزمة، كما يوضح الفصل دور الأمم المتحدة ممثلة في مجلس الأمن والأمين العام في الأزمة ونتائج تدخلها وموقف السودان من هذا التدخل.
المؤلف في سطور
عبدالنعيم ضيفي عثمان حاصل على درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي جامعة القاهرة، حقق كتب «الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام» لتقي الدين علي بن عبدالقادر المقريزي، «المختار من تاريخ الفتاش - في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس» لمحمود كعت التنبكتي.
الكتاب: دارفور التاريخ والصراع والمستقبل
المؤلف: عبدالنعيم ضيفي عثمان
الناشر: دار الرشد 2009
الصفحات: 190 صفحة
محمد الحمامصي
