إن أدب الرحلات أدب قديم؛ رافق الإنسان في عصور مختلفة، وظل المؤرخون والرحالة مصدراً ومرجعاً للقراء والكتاب والمؤرخين، وعبر الزمن والتدرجات التاريخية لفترات وحقب طويلة من تاريخ البشرية، ترسخ أدب الرحلات وصار نوعاً قائماً بحد ذاته، له خصائصه وميزاته، كما تظهر فيها تأثيرات الكاتب، فكل كاتب يضيف لونه الخاص على كتابته، وعندما نخوض في تذكر أدب الرحلات فيخطر في بالنا فوراً هيروت مؤرخ الإغريق، «اليونان» وغيره... من المؤرخين والرحالة الأجانب، أما الرحالة العرب فنتذكر منهم فوراً ابن بطوطة وابن جبير وياقوت الحموي وابن فضلان وأحمد وصفي وزكريا وغيرهم كثير.

بفضل الرحالة، وأدبهم تكونت لدينا ثروة كبيرة من المعرفة والاضطلاع على آداب وثقافات الشعوب، وعادات وتقاليد المدن التي مر فيها الرحالة، وسجلوا انطباعاتهم وملاحظاتهم عند كل مدينة دخلوها. ومن هذه الرحلات رحلة نيقولا سيوفي 1873م. وهي رحلته من بيروت إلى حلب ثم إلى كردستان فالموصل فبغداد. واعتنى بنشر الرحلة الكاتب والصحفي تيسير خلف. في شهر سبتمير من عام 1873 صدر قرار بتعيين نيقولا سيوفي قنصلاً في بغداد، وكان يومها في بيروت يعمل في القنصلية الفرنسية هناك، منذ عام 1861م، أي في العام الذي أعقب الأحداث الأليمة التي ألمَّت ببعض مدن وجبال بلاد الشام، فغادر بيروت عن طريق البحر إلى طرابلس، ثم اللاذقية، ثم الاسكندرية، ومن هناك سلك الطريق البري مع حاشية كبيرة تضم عائلته وبعض رجال الشرطة ومجموعة من الأطباء النمساويين وغيرهم، وقد سلك الطريق القديم الذي اعتادت القوافل أن تسلكه؛ فوصل إلى مدينة حلب، ومنها انطلق إلى ديار بكر، حيث بدأت رحلته النهرية إلى بغداد، فمر بعشرات القرى والمدن الأثرية، وصادف أناساً من مختلف المشارب، وفاجأته بعض العادات والأوضاع الاجتماعية وبعض المظاهر الطبيعية، فوصل إلى الموصل، ومنها انطلق إلى بغداد.

وقد استغرقت رحلته هذه من 9 أيلول «سبتمبر» إلى 1 تشرين ثاني «نوفمبر» 1873م، أي حوالي 52 يوماً. وقد سجل في رحلته أهم ما شاهده وكتب أسماء جميع الأماكن التي مر بها والمسافات بينها، فأصبح ما كتبه دليلاً للمسافر من سوريا إلى العراق.

ركب نيقولا بيك السيوفي في 9 أيلول سنة 1873م المركب من ميناء بيروت. وفي 10 أيلول وصل إلى ميناء طرابلس، وكانت المدة التي استغرقتها الرحلة من بيروت إلى طرابلس (5 ساعات). وبعد استراحة وتجوال في ميناء طرابلس وقريباً من مدينتها، عاد الركاب إلى المركب. ومن طرابلس كان السفر إلى اللاذقية. رسى المركب في اللاذقية يوم الخميس 11 أيلول 1873م.

ومن ميناء اللاذقية كان السفر إلى ميناء اسكندرونة ونزل الركاب في ميناء الاسكندرونة وكان السفر في البر وصلوا إلى قرية بيلان وهي قرية كبيرة على سفح جبل تشرف على وادٍ يجري بأسفله ماء عذب، وحسب وصف الكاتب لمناخ القرية مناخها جيد، فنزل المسافرون في خان، وباتوا ليلتهم في الخان، وعند القرية قال الرحالة نيقولا بيك السيوفي: أنه من هذه القرية تبتدئ اللغة الكردية عند أكثر الأهالي في تلك الجهات.

وصل المسافرون إلى ديار بكر يوم الثلاثاء في 30 سبتمبر سنة 1873م، دخلوا أولاً سهل ديار بكر وشاهدوا من السهل جبل ديار بكر العظيم الممتد رأسه إلى السحاب، استراح في السهل قرب نبع ماءٍ عذب؛ لأن سيوفي سقط عن ظهر الحصان لكنه لم يصب بأذى.

ووصف سيوفي مدينة ديار بكر فقال عنها: إنها المدينة المدعوة قديماً «آمد»، مرتفعة المركز، وأكثر أبنيتها من الحجر الأسود ومحاطة من جميع أطرافها بسورٍ متقن البناء، وهو إلى الآن بحالة محفوظة نادرة بعكس البلاد الأخرى، حتى أن القادم إلى المدينة عن بعد يراها كقلعة، وفي بعض جهات السور توجد كتابات كوفية من أيام الخلفاء العباسيين.

كانت الرحلة النهرية من ديار بكر إلى جزيرة ابن عمر إلى الموصل فبغداد. حيث وصل المسافرون إلى بغداد في 1 نوفمبر سنة 1873م، قال سيوفي عن رحلته: أنها تذكرة للمسافر، لم يقصد بها التطويل والتنميق؛ لأنه لم يذكر إلا ما شاهده عياناً؛ لأنهم كانوا منهمكين بالسفر، ولم يدخل في الشرح التاريخي للأماكن التي زارها ومر فيها؛ لأن ذلك سيستغرق مجلدات كاملة، فبغداد لوحدها اقتضى لتاريخها مجلدات كثيرة.

المؤلف في سطور

ولد نيقولا بن يوسف سيوفي في 12 ابريل من سنة 1829م في مدينة دمشق، درس اللغتين العربية والفرنسية بمدرسة الآباء الليعازريين، وكان ذكياً متفوقاً على أقرانه في التحصيل، أتقن اللغتين، ثم درس التركية والإيطالية فأتقنهما أيضاً. و عمل قنصل فرنسا في بغداد والموصل، وكان مهتماً بالتاريخ والآثار والعادات والتقاليد وتاريخ المدن، وله كتابات ودراسات في هذه المواضيع. وبمرور الزمن أصبحت كتاباته مصدراً، وتاريخاً لأماكن زارها وكتب عنها.

حلب الجميلة

وصل الرحالة نيقولا السيوفي ومن معه إلى حلب في 15 سبتمبر سنة 1873م. ووصف حلب فقال عنها: إنها مدينة كبيرة جميلة تسر القادم إليها عن بعد، بحسن مناظرها الطبيعية وبساتينها وغياضها، وأبنيتها جميعها من الحجر المنحوت، وأكثر طرقاتها وأسواقها واسعة نظيفة بالنسبة إلى غيرها من المدن الشرقية.

الكتاب: رحلة نقولا السيوفي 1873م

تأليف : تيسير خلف

الناشر: دار التكوين دمشق 2009

الصفحات: 321 صفحة

القطع: المتوسط

سلام مراد