عنوان هذا الكتاب رد جريء على مقولات كثيرين وكثيرات، ممن حملوا راية الدفاع عن حقوق المرأة، ووقفوا إلى جانبها، مناصرين لقضاياها. اذ بلغ الهوس بهؤلاء حدا، اعتبروا فيه»: «الأنثى هي الأصل» مواجهين بذلك الخطأ بخطأ مماثل، عبر استعراض انتقامي ربما، يقوم على المبالغة والتعنّت لدمر الذكورة وتشويه هيبتها فلكل من المرأة والرجل خصوصيته، واحترام الخصوصية معناه البقاء خارج المفاضلة، وبالأخص خارج التمييز الحقوقي على أساس الاختلاف.
فالاعتبار هو للإنسان بجنسيه، والقانون هو للإنسان وللمواطن بلا تمييز. إرهاب المذكر الذي يستبد بالمؤنث فرضيّة تاريخيّة تزاوج بين نزعتين متشدّدتين: دينية وأخلاقية. وهذا الإرهاب يتجاوز المرأة بوصفها كائنا انثويا، ليشمل جنس النساء جميعا، تعضده الغريزة، عابرة التاريخ ومخترقة الحضارات والأديان. تميز خالدة سعيد، بين النصوص الدينية التأسيسية، كالأناجيل، والقرآن، وتلك التي تنكّب التابعون، هم تدوين اجتهاداتهم وتعليقاتهم وتأويلاتهم في شانها، فجاءت النصوص المسيحية الأولى، وتحديدا المدونات العقائدية واللاهوتية وتلك التي أجادت بها قرائح الفقهاء المسلمين ورواة الأحاديث النبوية، لتكشف الهوّة السحيقة بين النصوص التأسيسية الاولى ونصوص التابعين.
وهي ترى في هذا الشأن أن البون ناجم عن « التفاوت الذي لا يكف عن التضخيم بين المنبع المبدئي للأديان (أي النصوص الأساسية) وبين الارث التاريخي الثقافي الاجتماعي السيكولوجي الذي يحضر في المرويات ويحمّل على الأصول». وهذه المأثورات، اغتذت من موروثات شعبيّة حول النساء، لم تستطع المجتمعات الدينية الناشئة، من فكاك التزامها بها.
أو التحرر من هيمنتها وتنطلق سعيد في توضيح فكرتها، من نص انجيلي، يحدّد موقف المسيح من النساء عامة، بمن فيهن الخاطئات. كمثل المرأة الزانية التي واجه المسيح راجميها تبعا لعادة اليهود بالقول: « من منكم بلا خطيئة فليرمها بحجز» (انجيل يوحنا 88) المسيح أبدى رحمة فائقة وتحلّى موقفه بالصفح والغفران، وهذا ما لم نلمسه في مواقف وكتابات عدد من الرسل واللاهوتيين الأوائل.
تشكّل موضوعات الكتاب مادة دسمة، تثير طروحات جريئة ومتقّدمة، تنزع من خلالها إلى مواقف ليبرالية، تؤسس لقراءة نقديّة. قراءة ليس الجانب التحدي المنطوية عليه سوى ذريعة تقوم على الكشف والتعرية، مشفوعين بالأسئلة والاستنطاق. وهي لذلك، تتوسّل منهجا، يقوم على الاستقرار، والتحليل، والنقد، والاستنتاج، فتختار أسماء نسويّة، أطلقتها إلى العلن خبرات وتجارب وظروف اجتماعية.
بعضها كان لها مساهمات فطرية، وأدبية وفنيّة: فدوى طوقان اندريه شديد، سحر خليفه، ليانة بدر، ناديا تويني، منى الشعوري... وبعضها الآخر، كانت لتجاربهن ولخبراتهن وتضحياتهن دور مؤثر وفاعل تجاوزن من خلاله بيئاتهن المحليّة الضيقة، ليطرحن أسئلة لمّا تزل موضع نقاش واستفسار، وتجاذب بيئات المجتمع، وطبقاتها ، وفئاتها الاجتماعية: «مختار ماي»، عائشة عودة، سهير التل، لور مغيزل، فاطمة المرنيسي، روز غريب...»
حظ الذكورة من كتابها، شاءته خالدة سعيد تنويها وتقديرا لفكر قاسم افين، فتدرج قراءتها التحليلية في صور مشروعها النقدي. تنطلق من اشتراط أمين التلازم بين تحرير المرأة وتحرير الانسان، معادلة يصح القول فيها بداهة أنها الشرارة التي أشعل قاسم أمين فتيلها عندما أصدر تباعا: «تحرير المرأة، «المرأة الجديدة»...
في مستهل القرن العشرين، فكانت سببا لنزاع بين المرحبين بالكتاب من العلمانيين والإصلاحيين على السواء من جهة، وبين المتزمتين والمحافظين من جهة ثانية، علما أن أمينا في مقاربته الموضوعات العلمية، كان يحرص على أن يخرج بنتائج مقبولة دينيا، ولا تتناقض مع مسلمات العقيدة وتوجيهاتها، ليأمن اعتراضات الناقمين المتذرعين بالدين وروات فعلهم السلبية.
في استعراضها لمقولات قاسم أمين حول المرأة إيحاءات، تجهد الكاتبة لإطلاقها من عقالها. اذ ان الموضوع شائك تمّوه حقائقه الأفكار والمواقف المسبقة، باعتبارها نتيجة حتمية للمفاهيم الدينية وللعادات والتقاليد الخاضعة للنواهي والمحرمات ولقيم الشرق والوطن، فينطلق من بؤس حالتها وتردّيها ليقرأ في الأسباب التاريخية لهذا التردّي. ثمّ يخلص إلى أن المرأة والرجل متساويان في المؤهلات والمكملات، مبديا تصوّره الإصلاحي، ومحدّدا العوائق، التي تحول دون التقدم في الإصلاح.
ويشدد في هذا السياق على ضرورة التربية المرادفة للتحرر وللارتقاء الحضاري، لأن «ارتقاء الأمم يحتاج إلى عوامل مختلفة متنوعة أيضا، من أهمها ارتقاء المرأة، وانحطاط الأمم ينشأ من عوامل مختلفة متنوعة أيضا، من أهمها انحطاط المرأة».
ان الظروف التاريخية والاجتماعية، أسهمت بشكل مؤثر في تحديد هذا النكوص، الذي بلغته المرأة. فاستغلال الدين وتسخيره تماشيا مع آلية القمع الآخذة في النمّو لا يزالان حتى يومنا الحاضر سمة مجتمعات وتنظيمات أصولية عديدة ، ترتجل مواهبها تكميما وإرهابا، ولنا في هذا الشأن شهادات مؤثرة.
تستعرض سعيد بعضا من فصولها في سياق تنازلها لسيرة نسوة ثلاث شغلت قضاياهنّ الرأي العام العالمي، من مأساة «مختار ماي» الباكستانية التي تعرضت للاغتصاب الجماعي، تنفيذا لحكم القانون، الذي اتخذته طبقة «الماتسوي» بحقها إلى المناضلة الفلسطينية «عائشة عودة «، التي عاشت مرارة القهر والسجن، قبل أن تعرف الحرية، إلى الكاتبة «سهير التل»التي أدينت بتجاوزها المحرّم، فسمّت العملية الجنسية باسمها في اقصوصتها «المشنقة.
تختصر سيرة «مختار ماي» الباكستانية سير العديد من النسوة اللواتي واجهن التنكيل والاغتصاب والاذلال والتعنيف الجسدي والمعنوي. تتعدد القصص في شأنهن، قصص على الرغم من شناعتها لا تعد خرقا للمألوف وتنكّرا للعادات، بل هي امتثال لنمطيّة مألوفة، تحّولت مصدرا للاجتهاد والتشريع في بيئات طبقية ـ قبلية، حيث «لا تعود قوّامة الرجل على المرأة محصورة في نطاق الأسرة الزوجية.
تتعرض «مختار ماي» ابنة الثانية والعشرين من عمرها إلى الاغتصاب الجماعي. لقد أخذت بجزيرة أخيها (12 عاما) بعد أن شوهد يجالس فتاة من طبقة «الماتسوي» تكبره بثماني سنوات. لم تجد توسلاتها ليعفوا عن أخيها الذي وقع في قبضة «الماتسوي»، ولا ركوعها أمامهم علامة الخضوع، لقد أدركت أن استدعاءها للاعتذار، لم يكن الاّ ذريعة ليوقعوا بها.
فينفذ بحقها قرار مجلس «الجيركا» تحت عنوان غسل الشرف. «اذا كانت المرأة شرف الرجل لماذا يغتصبها ويقتل هذا الشرف؟» سؤال تطرحه مختار ماي من سياق سردها لقصتها. ومنه تنطلق سعيد في قراءتها النقديّة لعمليّة الاغتصاب، التي لا ترى فيها الا عملية تطهير وعقاب وانتقام باعتبار ان جسد المرأة «هو موضع الشرف الجمعي وموضع العار الجمعي في وقت واحد».
اذا كان جسد «مختار ماي» طوطم القبيلة حيث السيادة للعصبيات القاتلة والتقاليد البالية، فان «عائشة عوده» المقاتلة الفلسطينية أصبحت طوطم شعبها بعد مسيرة نضاليّة شاقّة، خاضت خلالها سلسلة عمليات عسكرية ناجحة، ضد الإسرائيليين، تؤسر في احداها وتتعرض لقساوة واذلال الاعتقال.
كانت عمليات التعذيب «سحرية طقوسية تمارس على جسد الآخر مؤنثا منطرحا على الأرض مقيدا ومغلوبا... عملية سحرية اسقاطية تطعن بالعصا الرحم ـ المناضلة كرمز لرحم شعب ورحم يقظة وتمرد». انها عملية تتخذ بعدا تطهيريا يختزن هوس الإسرائيلي بالغاء شعب ومحو وجوده.
المؤلف في سطور
خالدة سعيد، كاتبة وناقدة لبنانية من أصل سوري، بدأت كتابة النقد عام 1957، مواكبة حركة الحداثة الشعرية.ظهرت أولى مقالاتها النقدية في الاعداد الأولى لمجلة شعر، فكتبت عن أدونيس والماغوط، وفدوى طوقان، وأنسي الحاج... وقعت مقالاتها الأولى تحت اسم مستعار «خزامى صبري».استمرّت على هذه الحالة طيلة سنتين. وبدءا من العام 1959 أخذت توقع باسمها الحقيقي.
لم تحجب شهرة زوجها أدونيس محاولات سعيد الجادة. كتبت في نقد الشعر والمسرح والرواية والفن، تخلف كثيرون عن مجاراتها رؤيتها الفكرية التي اتسمت بالعمق والشمولية فكانت كتاباتها صدى التزاماتها الواعي بقضايا الإنسان التحررية.شاركت في تحرير مجلّة مواقف بين 1968-1994 من أعمالها: البحث عن الجذور». «حركيّة الإبداع».الحركة المسرحية في لبنان».
الاستعارة الكبرى» ولها بالاشتراك مع الشاعر أدونيس ستة كتب حول عصر النهضة: «أحمد شوقي»، «عبد الرحمن الكواكبي». «محمد بن عبد الزهادي». «محمد عبده»، «رشيد رضا»، جميل صدقي الزهاوي». ترجمت إلى العربية اعمالا لادغار آلان بو» «وليم فولكز»... وآخر اصداراتها كتاب «في البدء كان المثنى».
رؤية حداثية
إصدار جديد لخالدة سعيد، يقتطع لنفسه رؤية حداثوية مغايرة، سبق أن رسّخت في نتاجاتها الإبداعية والنقدية بعضا من تجلياتها. وهذا كما بلغته في الكمّ القليل من الكتب، التي أصدرتها، وكان آخرها «في البدء كان المثنى».
الكتاب: في البدء كان المثنى
تأليف: خالدة سعيد
الناشر: دار الساقي بيروت 2009
الصفحات: 251 صفحة
القطع : المتوسط
بيار شلهوب

