يرى الفيلسوف الألماني المعروف «هيغل» أن الدهشة لن تأخذنا عندما يتناهى إلى سمعنا، أن الفنانين في عصر المهارة الفنيّة الكبرى، كانوا يشتغلون الرخام، وينحتون أعمالهم، من دون أن يتخذوا لأنفسهم نموذجاً من الصلصال، وانه حتى عندما يتواجد أمام أعينهم، مثل هذا النموذج المعد مسبقاً، كانوا يتصرفون إزاءه، بقدر من الحرية، أكثر بكثير مما هو شائع في أيامنا هذه.

حيث لا ينتج النحاتون، بحصر المعنى، سوى نسخ من الرخام نقلاً عن أصول تسمى بالنماذج، وتصنع من الصلصال، وبفضل ذلك، كان الفنانون القدامى يفلحون في صون الإلهام، وحفظه من الوهن الذي لا مناص من أن يطرأ عليه، بفعل التكرار والاستنساخ عن نموذج واحد، مرات لا تقع تحت حصر، ولكن هذا لا ينفي وجود عيوب حتى في الأعمال التي طبقت شهرتها الآفاق، وعلى سبيل المثال: عينان غير متساويين حجماً، وأذن أعلى من أختها، وساقان متفاوتا الطول.. الخ. من جانب آخر، لكون النحت نفذ بمواد وخامات مقاومة لعوامل الزمن المختلفة، كالمرمر، والخشب، والحجر، والبرونز، والعاج، والذهب، والأحجار الكريمة وغيرها، فقد وصل إلينا منذ الصيرورة الأولى لوجود الإنسان، ليحكي لنا عنها وعما بعدها، لكن ماذا سيحدث لو نُفذ النحت من الجليد، أو رمال الشاطئ، التي لن تصمد أمام حرارة الشمس، وجبروت الأمواج وعتيها.

هكذا حالة، يعبر عنها خير تعبير، المثل القائل: إنه يبني القصور على الرمال، وهذا معناه أنها زائلة لا محالة، ولعل الأطفال كانوا أول من بادر لبناء هذه القصور، بهدف اللهو واللعب والتسلية، لكن الأمر كما يبدو، تجاوزهم اليوم إلى فنانين هواة ومحترفين، وإلى أناس عاديين، شغفوا بهذه الفنون الفراغيّة المنفذة من الرمال والزائلة لا محالة، بدليل ما يحمله لنا الإعلام المرئي والمكتوب، وبشكل دائم، من نماذج متعددة الأحجام والقياسات، لتماثيل وتكوينات نحتيّة، مستلهمة من الحضارات القديمة، أو من الحياة المعاصرة، وهذه الظاهرة من الفنون المؤقتة، في تنامٍ دائم ومستمر، بل لقد تحوّل بعضها إلى تظاهرات عالمية، تقام على هامش معارض ومهرجانات ثقافيّة وفنيّة، أو أصبح يُقام لها مهرجانات وملتقيات خاصة بها، وبشكل دوري.

فقد أشارت الأخبار إلى أعمال ضخمة تشهدها مدينة (زيبروغ) البلجيكية سنوياً يشارك فيها عشرات الفنانين من بلجيكا وفرنسا وإسبانيا وهولندا والولايات المتحدة، حيث يقومون بتنفيذ أشكال واقعيّة وأسطورية قد يصل طولها إلى 80 متراً وعرضها إلى 60 متراً وارتفاعها إلى 14متراً. بحيث إن بعض الأعمال تحتاج إلى 550 متراً مكعباً من الرمال لإنجازها.

وظاهرة بناء الأعمال النحتية من الرمال، تتنامى باستمرار في العالم، وتجد لها العديد من المريدين، والمشجعين والمشاركين، ولأنها تنفذ مباشرةً في أرض الواقع، على الشاطئ، أو في إحدى الحدائق والساحات داخل المدن والبلدات، أمام مئات من الناس، تكتسب أهمية بالغة، ومتعة فريدة، فالمتلقي هنا، يراها في مراحل تنفيذها كافة...

ويستمتع بمشاهدتها وهي تنبثق من بين أنامل مبدعيها، شيئاً فشيئاً، وأيضاً، وهي تتلاشى شيئاً فشيئاً، عندما يبتلعها الموج العاتي، أو تُزيلها الجرافات، ليعاود الإنسان تكرارها من جديد، محركاً بها ومن خلالها، حياته الراكدة المكرورة.

.. وأخرى من الجليد

فالفن كما يبدو، أفق يتناسخ باستمرار آفاقاً جديدة، إذ انه كلما وضع الفنان رجله في شاطئ، تراءى له شاطئ آخر، وكلما انتهى من كشف جديد، تطلع إلى آخر.

وهكذا تستمر المغامرة التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد، ذلك لأن الفن دائم الارتباط بالحياة، أو هكذا يجب أن يكون. ومهمته الكشفية لا تنتهي إلا بانتهاء حياة الفنان، أو هكذا يجب أن يكون أيضاً.

والفن دائم البحث عن مواضيع حياتيّة جديدة، وتالياً عن مواد وخامات جديدة، تكون قادرة على استيعاب خواص هذه المواضيع والتعبير عنها، والعكس صحيح أيضاً. هذا الواقع اختلف قليلاً في الوقت الحالي، إذ بدأت تدخل مواد وخامات جديدة إلى الفن (وفن النحت والعمارة بشكل خاص) لا تتسم بهذه الخاصية، منها الرمل الذي سبق وأشرنا إلى تنامي ظاهرة تنفيذ الأعمال النحتيّة الضخمة منه.

في أكثر من مهرجان وملتقى ومناسبة، في دول كثيرة، ومنها أيضاً (الجليد) الذي أصبح مجالاً واسعاً لابتكارات النحاتين والمعماريين والحرفيين والباحثين عن تسلية جديدة بنكهة الفن. فقد يقيم هؤلاء بالجليد عمائر وأسواق ومدناً صغيرة وتماثيل مفردة وضمن مجموعات، وحتى نصب تذكاريّة كبيرة مستوفية لشروط ومقومات الأثر النحتي النصبي كافة، بدءاً من الفراغ المناسب، وانتهاءً بالإضاءة. بمعنى آخر: ينجزون من الجليد الملوّن بالإضاءة، مدناً كاملة حافلة بالمرافق المعتادة كالشوارع، والساحات والتزيينات الفنيّة، والمنازل، والفنادق، والمقاهي، والمطاعم... الخ.

من المولعين بمثل هذه الأعمال، النحات السويدي (أرنيه بيرج) الذي قام بنحت فندق كامل من الجليد، فوق مساحة تبلغ 1500 متر مربع، وقد احتوى هذا الفندق الجليدي على كافة متطلبات الفنادق العاديّة. فهناك الغرف الخاصة للنوم، والبارات، وأركان الجلوس، واللوحات التزيينيّة النافرة، والطاولات، والكراسي، والأسرة، والثريات.

وغير ذلك من مستلزمات الفنادق ومرافقها. وكل هذه الأشياء نفذها من الجليد في درجة حرارة تبلغ حوالي 20 درجة تحت الصفر، خلال شهر كانون الثاني، حيث تبدو السماء في هذا الوقت، شمالي السويد، سوداء مشوبة بالزرقة.

وهذا الفنان وغيره كثيرون، في الدول التي يساعد مناخها البارد (أو شديد البرودة) على إنجاز مثل هذه الأعمال المدهشة والظريفة، يعكفون سنوياً، على التصدي لمثل هذه المغامرات. فقد حدثتنا الأخبار، عن إقامة نصب تذكارية، وبحيرات تزيينيّة، وحتى تماثيل شخصية من الجليد، إذ دأب الفنانون الروس، على خوض غمار هذا اللون من الفن المؤقت، كلما عبر موسم الجليد بلادهم.

ليس هذا فحسب، فحتى الدول الأخرى (ومنها بعض الدول العربيّة كالإمارات العربية المتحدة) التي تتميز بمناخها الحار، تلجأ إلى إنجاز مثل هذه الفنون من الجليد، ضمن حيز مغلق، توفر فيه شروط بقاء هذه الأعمال، إلى وقت محدد، قد يتجاوز الأيام والأسابيع.

نزوع لا يشيخ

في أعمال الرمل، أو في أعمال الجليد، أو أية أعمال أخرى، تنفذ لتعيش عمراً قصيراً، تبرز نزعة قديمة ـ جديدة في الإنسان، هي التجديد والكشف والإضافة، فمدينة الفن (كما يرى ألكسندر اليوت) مفتوحة للجميع. فهناك على الشرفة يخطر عالم الآثار، جيئةً وذهاباً بمقياسه الشريطي. وفي الزقاق صبي مراهق يلوح ويختفي، حاد النظرات، يبحث عن عاريات. هناك جمهور يدخل الكاتدرائيّة. وفي مصرف الأزمان عالم النقود القديمة يجلو قطعاً قديمة من النقد.

في الحديقة يتسلق الأطفال تمثالاً، وقد جلس على المقعد المجاور إفريقي تحلى بالخرز وهو ينحت معبوداً من الخشب. وفي ضريح مصري ثمة عاشقان اختلسا قبلة في غفلة من الزائرين، فالمدينة تحفل بألوان من الناس يعاملونها كأنها ملك مشاع لهم، وهي حقاً ملك لهم.

هذه الصورة الجميلة لمدينة الفن، بقيت واستمرت مع الإنسان منذ صيرورته الأولى وحتى اليوم، ذلك لأنها رُسمت ونُفذت من مواد وخامات مقاومة، تحدت الزمن ووصلت إلينا لتحكي لنا عن تاريخ الإنسان وإبداعاته ومغامراته، فكيف سيكون الحال، مع فنون الرمل والجليد؟ ماذا سيبقى منها للأجيال القادمة غير الصور الثابتة والمتحركة، لكن حتى هذه الصور والأفلام، من يضمن بقاءها بعيداً عن العطب، لا سيما وهي مُصنعة من مواد لا تقل ضعفاً ووهناً عن قصور الرمل، ومدن الجليد؟!

مقر الفنون

تتمحور أعمال النحت الضخمة بشكل أساسي في مدينة «زيبروغ» البلجيكية سنوياً يشارك فيها عشرات الفنانين من بلجيكا وفرنسا وأسبانيا وهولندا والولايات المتحدة، حيث يقومون بتنفيذ أشكال واقعيّة وأسطورية قد يصل طولها إلى 80 متراً وعرضها إلى 60 متراً وارتفاعها إلى 14 متراً. بحيث إن بعض الأعمال تحتاج إلى 550 متراً مكعباً من الرمال لإنجازها.

إعجاز فني

ان أعمال النحت المنفذة من الرمال تصل إلى حد الإعجاز الفني والتعبيري أحياناً، يأسف معها المرء، ألا تدوم وتستمر سنوات ودهور، وأن تبقى في حدود التسلية العابرة لساعات وأيام محدودة.

تلاشي الجهود

ما يحز بالنفس حقاً أن تتلاشى المنحوتات المصنوعة من الجليد وتتلاشى معها الجهود الخلاّقة وتضيع، بمجرد أن تطل الشمس الربيعيّة على تلك البلاد الباردة، أو تختفي الشروط التي تجعل الجليد قائماً ومتماسكاً وصلباً، في القاعات المغلقة المحاطة بلفح هجير دفء زائد عن حده.

د. محمود شاهين