شاوارش أوهانس بغدونيان... إنسان محمل بالعطاء والحب والغيرة، قبل أن يكون مصورا فوتوغرافيا وموسيقيا. بدأ رحلته في الحياة من حلب، ليستقر في دمشق عاصمة سوريا عام 1951 حينما كان في الثامنة عشرة من عمره ليبدأ رحلته مع التصوير الفوتوغرافي والموسيقى، ليغادر بعدها في أوائل السبعينات إلى الشارقة ويستقر فيها حتى يومنا هذا.
عاصر الفنان المخضرم شاوارش العديد من الأحداث والوقائع التاريخية سواء في سوريا أو في الإمارات، وساهم في تأسيس وتوثيق العديد من الأحداث التاريخية على صعيد الصورة والموسيقى، مدفوعا بحبه للفن دون انتظار مقابل أو حسابات. فعلى سبيل المثال، أسس أول جمعية للموسيقيين وأول فرقة موسيقية في دمشق عام 1962، كما تعاون مع دار إذاعة الشارقة أول تأسيسها عام 1973، وساهم في تنظيم حفل افتتاح لها، وهو أول من غنى في تلفزيون دبي لدى تأسيسه عام 1974 من خلال برنامج مسابقات «سين جيم» للإعلامي الراحل شريف العلمي، إلى جانب رعايته للفنانين والموسيقيين طيلة مسيرة حياته.
في بيته المتواضع بحي الغافية في الشارقة، التقت «مسارات» بالفنان لإلقاء الضوء على تاريخ حياته الفنية لإحياء ومضات من ماض كان له فيه دور فعال، وللتعرف على شخصية شاوارش التي ما إن يتم ذكر تاريخ التصوير في الإمارات، حتى يرد اسمه على لسان الرواد الأوائل الذين باتوا من أصحاب المناصب والريادة في يومنا هذا، وبالطبع كانت موسيقاه مرتبطة دوما بذكره في كل مناسبة ومجلس في صالة الاستقبال الواسعة التي تزين جميع جدرانها صور توثق مسيرته كمصور فوتوغرافي وموسيقي، دار حوار مطول معه. وما إن بدأ بالكلام حتى تلاشت آثار الزمن من ملامح وجهه ليعود ذلك الكائن المفعم بالحيوية والشباب وبذاكرة مدهشة استرسل في الحوار.
«أتيت من حلب إلى دمشق عام 1951 وكان عمري حينها 18 سنة. عملت كمصور لدى العديد من استوديوهات التصوير مثل استوديو مسمار وأديب وغيرها. زارني عام 1955 شقيق البطل عدنان المالكي بعد يوم من اغتياله في الملعب البلدي بدمشق بتاريخ 22 أبريل 1955، خلال حضوره لمباراة كرة القدم، كان يرعاها بين منتخبي سوريا ومصر. طلب مني شقيقه المحامي رياض المالكي مساعدته نظرا لعدم توفر صورة للشهيد بزيه الرسمي وكان حينها معاون رئيس الأركان العامة، في عهد رئاسة هاشم الأتاسي.
طلبت منه حينها إحضار لباسه العسكري الكامل وأوسمته وإحدى صوره. وهكذا ألبست أحد العاملين معي والذي يشبهه في القامة ملابسه والتقطت صورة له، ثم فرغت مكان الوجه ووضعت صورة وجه الفقيد من إحدى صور حفل خطوبته. سرَّ شقيقه كثيرا وعلقت صورته هذه في نادي الضباط بمنطقة الصالحية آنذاك لسنوات طويلة».
ينتقل بعد ذلك إلى عالم الموسيقى الذي كان يمارسه كهواية إلى جانب عمله في التصوير وقال، «أسست عام 1962 أول جمعية للموسيقى وحملت اسم «جمعية أضواء دمشق»، أتت هذه المبادرة من خلال رغبتي في مساعدة الموسيقيين؛ إذ لم يكن هناك نقابة للفنانين آنذاك، وحصلت على الترخيص من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. وهكذا وفي مقر الجمعية في بيتي مقابل مدرسة جول جمال، أسست أول فرقة موسيقية.
وبالاتفاق مع التوجيه المعنوي التابع للجيش نظمت مع رئيسها غازي أبوعقل حفلات موسيقية للترفيه عن الجنود في المحافظات والمناطق النائية مثل قطنا، وواسط، ومسعده، والحمّه وقنيطرة قبل احتلالهما من قبل العدو الإسرائيلي. كانت المطربات الهاويات يغنين أغاني سميرة توفيق وهيام يونس وغيرهما، إلى جانب مشاركتي في الغناء والعزف في بعض الحفلات. وكان الأجر الزهيد الذي نتقاضاه كفيلا بدعم الموسيقيين وسد حاجتهم.
ولدى سؤاله عن سبب عدم تفرغه للموسيقى خاصة وأنه يملك حنجرة ذهبية بشهادة الفنان الراحل محمد عبدالوهاب قال، «كان المطرب والموسيقي في ذاك الزمن يموت من الجوع. وهكذا كان التفرغ غير متاح؛ إذ كنت أكسب رزقي من عملي في التصوير. وكنت أول من استخدم الورق اللماع في الصور في استوديو أديب في الجسر الأبيض وكانت خامة جديدة مبهرة إضافة إلى مهارتي في التصوير. وهكذا تهافت الجميع على الاستوديو لتصويرهم ومن ضمنهم كبار الممثلين والمطربين آنذاك.
عاد شاوارش مجدداً خلال استرساله المسهب إلى الموسيقى وقال، «بعد مضي عام طُلب مني التعاون مع التلفزيون السوري لتأسيس فرقة موسيقية خاصة به. وفي بيتي اجتمع أمين الخياط عازف القانون القادم من حلب والذي كان يبحث عن عمل، والمخرج خلدون المالح والفنان دريد لحام لبحث موضوع الفرقة. كانت الدولة آنذاك تأخذ ضريبة سنوية ممن يشترون جهاز التلفزيون؛ وبذا ساعد التمويل على تشكيل الفرقة عام 1981.
وجعلت من بيتي مقرا للبروفات، وكانت سيارات التلفزيون في حركة ذهاب وإياب من وإلى بيتي، حيث كان المطربون ينتظرون دورهم في البروفات. وكان خلدون ودريد وفاطمة خزندار يطلعون على نشاط الفرقة، كما أحضروا مطربين من لبنان مثل وديع الصافي وسامية كنعان ورفيق شكري وغيرهم. أسميت الفرقة «الفجر» واختار أمين الخياط الذي ترأسها، أعضاء الفرقة من الهواة والموظفين المتعاونين معي آنذاك».
وحكى بعد ذلك قصة انتقاله إلى الشارقة وقال، «رافقت عام 1970 فريق كرة قدم من الشارقة خلال مبارياتهم لتصويرهم، وخلال سفرنا بالباص إلى بيروت كان اللاعبون يغنون وفي الخلف كان أحدهم ينقر الدف بإيقاعات غير مألوفة في الشام. ونظرا لحبي الشديد لفولكلور الشعوب، تولد لدي اهتمام كبير بالموسيقى الخليجية». وهنا عاد إلى دوره كمصور وتابع، «في لبنان التقينا بفريق آخر من دبي ومن ضمن اللاعبين فيه كان الشاب سلطان الحبتور».
سافرت إلى الشارقة في أواخر عام 1970، وبمساعدة زوج أختي المقاول افتتحت أول استوديو تصوير في شارع العروبة باسمي. لم يكن في الشارقة حينها سوى ذاك الشارع وفيه ثلاثة محلات فقط هي «جاشنمال» و«سبينس» و«كوسموس».
كانت المدينة خالية من الناس وكان علي لجلب الزبائن، الذهاب إلى ملاعب الكرة التي كانت مساحات رملية وكان المتفرجون حينها يشاهدون المباريات من خلف السور الشائك الذي يحيط بالملعب، وكانوا يجلسون على مرتفعات رملية. كان اللاعبون يأتون من المباراة إلى الاستوديو لشراء صورهم.
وبعد مضي زمن بدأت عائلاتهم تزورني في الاستوديو للتعرف على شاوارش ، قبل إرسال بناتها للتصوير. كنت في تلك الفترة أصور المناسبات الرسمية في قصر الشارقة.
وتابع، «وفي عام 1972 تم تأسيس دار إذاعة الشارقة وكان مقرها في اليرموك آنذاك، وقد تسلم إدارتها المصري سعيد عمارة. ولم يكن يفهم على المصريين أحد آنذاك، لذا طلبوا مني التعاون معه، وقد أهدى الرئيس المصري الراحل أنور السادات الإذاعة حينها مجموعة من الأغاني لكبار المطربين كعبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ وغيرهم، من راديو صوت العرب».
«بدأ التعاون من خلال الإعداد لحفل افتتاح دار إذاعة الشارقة الذي حضره سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة . كان علي تجميع فرقة موسيقية شارك فيها كل من الفنان وعازف الكمان سعيد شامية والعازف سليم أبو سلطان الذي أصبح اليوم قنصل دولة فلسطين في الإمارات. كما شارك في الغناء سلمى الشارقية التي كانت تعمل في الخدمة لدى إحدى الشيخات والفنان عبدالله بالخير الذي كان في بداية مشواره الفني».
وتستمر رحلته مع الموسيقى لدى تأسيس تلفزيون دبي عام 1974 وقال، «كان الإعلامي الراحل شريف العلمي يبحث عن مغن لبرنامجه «سين جيم» ليبدأ بثه مع افتتاح التلفزيون. وقد رشح الراحل رياض الشعيبي مدير التلفزيون آنذاك اسمي، غير أن العلمي المعروف بدقته وبراعته لم يأخذ كلامه على محمل الجد لكوني أرمني، ومع ذلك زارني في استوديو التصوير الخاص بي في الشارقة وطلب مني الغناء، فسألته (لأي مطرب تريد عبدالوهاب أم فريد الأطرش؟) وحينما سمع غنائي، طلب مني الانضمام مباشرة إلى برنامجه.
وكان يقدمني في الحلقات بقوله «والآن مع الفن والموسيقى من شاوارش ». سجلت 15 حلقة فقط إذ كان الذهاب إلى التلفزيون كل يومين بمثابة رحلة شاقة آنذاك».
استمريت بالعمل في الاستوديو وساعدت الكثير من الفنانين والموسيقيين من ضمنهم الطفلة سعادة توفيق الغجرية التي أتت إلى الإمارات للغناء برفقة والدها في مدينة الملاهي التي أقامها المصريون قرب سينما ديره، وقد سجلت لها أول شريط كاسيت بصوتها وتغني مختلف ألوان الغناء وصوتها شجي ومؤثر جدا. وقد أصبحت الآن مطربة لها مكانة كبيرة في فرنسا ومازالت على تواصل معي، وكذلك الأمر مع الفنان السوري أيضا ذياب مشهور.
وفي ختام اللقاء قال، «منحني سمو الشيخ سلطان عام 1977 أرضا، فلم أتردد في تعميرها والاستقرار مع عائلتي؛ وبذا أصبحت الإمارات مقر استقراري ووطني الثاني. لدي الكثير الذي لم يقدم بعد منه كلمات ولحن لأغنية تتناسب وطبقة صوت الفنانة ماجدة الرومي ولكن من يوصلني إليها». لديّ مجموعة كبيرة من الألبومات التي توثق جزءا من تاريخ رياضة الإمارات والإذاعة في السبعينات والثمانينات».
قالوا في شاوارش
شاوارش من أوائل المصورين للأحداث الرياضية والثقافية والاجتماعية في الإمارات، والتقط بعدسته صورا تاريخية نادرة خاصة على صعيد الرياضة. وهو ينتمي إلى أسرة تتمتع بالموهبة ذاتها، فشقيقه المرحوم غربيس الذي عمل مع «البيان» كان أيضا مصورا بارعا ومبدعا. ألبومات شاوارش وما التقطته عدسته بمثابة كنز من تاريخ الوطن خاصة على صعيد الرياضة. وهو إنسان يتصف باللهفة والكرم ورفعة الأخلاق ويتمتع بحنجرة ذهبية في الغناء إلى جانب موهبته في التلحين.
محمد الجوكر
نائب رئيس تحرير «البيان»
شاوارش في سطور
ولد شاوارش أوهانس بغدونيان في حلب
في الثامنة عشرة سافر إلى دمشق واستقر فيها
عمل في التصوير الفوتوغرافي
أسس أول جمعية للموسيقيين في دمشق عام 1962
سافر إلى الشارقة عام 1970 واستقر فيها حتى يومنا هذا
تعاون مع إذاعة الشارقة لدى افتتاحها عام 1972
غنى في تلفزيون دبي أول افتتاحه في برنامج لشريف العلمي
رشا المالح


