ولد عولاب في القسنطينة بالجزائر، ويقيم في مدينة مرسيليا بفرنسا. تخرج من مدرسة الفنون الجميلة في مرسيليا، ويستخدم أنماطاً جديدة في فنون الإعلام والتصميم، والنحت، والتصوير الفوتوغرافي والفيديو. وقد أقام العديد من المعارض في أوروبا وخاصة في فرنسا، مثل معرضه «الرمز والمقدس» في مركز بومبيدو عام 208.
التحق الفنان بمشغل «كالدير» عام 2009، واقتنيت لوحاته من قبل عدد من المتاحف الفرنسية كمتحف تولوز، وأباتوار، ومتحف دوك جان للفن الحديث، ولوكسمبورغ، والمتحف الوطني للفن الحديث، ومتحف مرسيليا ومركز جورج بومبيدو. ويسعى من خلال أعماله إلى تفجير العلاقات بين الناس والثقافات، ونقل المعرفة. وقد نجح في عالمه الفني المتناقض، بالربط بين المعاصرة وجذور ثقافته وتقاليدها القديمة. ويستخدم في معرضه الحالي، المواد البسيطة لخلق عوالم سحرية في مساحات من البياض، وسط عوالم معمارية عبر 20 لوحة عرضها في غاليري أكس. في. أي. الكائن في البستكية وذلك من 21 نوفمبر وحتى 13 يناير. * هل يمكن القول بأن أعمالك تعبر عن سيرتك؟ ـ عملي هو سيرتي الذاتية. أبي عامل وحرفي يدوي، وأمي امرأة مثقفة. وأنا نتاج الاثنين. وعملي عبارة عن ارتباط أدوات العمل، بالفكر والذهن والمعرفة.
* أنت تعيش في الغرب في فرنسا تحديدا، كيف يمكن التأقلم مع هذه البيئة الجديدة عليك؟ ـ عملي ينحاز إلى التفكير في العلاقات بين الجمال الغربي المعاصر وثقافتي الشرقية. وأنا أحاول الربط بينهما من أجل وصل العمل الفني العربي والإسلامي بالإنتاج العالمي، إضافة إلى أن موضوع الربط والنقل هو ما أبحثه في أعمالي الأخيرة. * كيف أصبحت فناناً؟ ـ أنحدر من ثقافة مرتبطة بالشعر، وهي ثقافة شفاهية وقائمة على الكتابة أيضاً. عشت طفولتي في بيئة عائلية تشجع الإبداع، وأبحرت في طرق فنية وتعبيرية مختلفة مثل الموسيقى والشعر. وورثت حساسيتي التشكيلية من جدتي من طرف أمي. واعتمدت مسيرتي الروحية على الصوفية وتقاليدها المنتشرة في مجتمعنا الجزائري.
كيف تعرف عملك الفني الحالي؟
تركزت أعمالي الفنية منذ سنوات، على القضايا السياسية وذاكرة الجزائر المنقطعة وماضيها الثقافي والفلسفي، كما لو أن كل شيء بدأ مع حرب الجزائر. أردت التعبير عن فكرة أن الجذور الأخرى التي تغذينا. وعملي اليوم، انعكاس للعلاقة بين الجماليات الغربية المعاصرة وبين ثقافتي الشرقية. أحاول إيجاد أو بناء الجسر الرابط بينهما، أي بين الإبداع العربي الإسلامي وبين الإبداع العالمي. هذا ما أريد التعبير عنه في أعمالي الأخيرة.
أي دور يلعبه الفنان في المجتمع اليوم؟
الفنان هو جزء من ثقافته، ويعبر عنها. ويسعى لأن يجعلها عالمية. نحن عبارة عن اهتزازات كريستالية في حركة دائمة. هناك بداية ونهاية، لكن هذه الاهتزازات تسكن في أجسادنا المتحركة، وفي موتنا نعود لنصبح اهتزازات أيضاً.
هل للعولمة تأثير على إبداعك؟
الإنسان كوني بطبيعته، ويعيش في عالم معولم، حيث لا توجد حدود. وهو يخضع لهذا القانون، بينما يبقى مخلصاً لثقافة بيئته. تسهل العولمة عملية التخاطب والتواصل، وليس لها تأثير على عملي الفني بل تجعله متاحا وفي متناول الجمهور وأوسع انتشاراً.
إذا اختصرت التأثيرات الفنية على أعمالك، ماذا يمكن أن تقول لنا؟
في الواقع، ورثت الشكل من الغرب والكلمة من الشرق. لدى الغرب تقنياته الفنية التي لا يمكن إغفالها، لأن العمل الفني يحتوي على المضامين الإنسانية، وهي ملك لجميع الفنانين دون تمييز. ربما يتبادر إلى الأذهان للمرة الأولى، أن هذا المزيج يشكل تناقضاً ولكن ليس في الفن. من الممكن أن يكون الفنان معاصراً، ويمتلك جذورا تمتد إلى أصوله وواقعه، خاصة بالنسبة للفنانين الذين يعيشون في الغرب لأننا كائنات إنسانية قبل أن نكون فنانين. يمكنني القول إذاً بأنني أعمل وأحاول أن أمزج بين هذين العالمين اللذين أنتمي إليهما.
أنت مصور فوتوغرافي أم رسام؟
لا يمكنني الفصل بينهما لأنهما ينتميان إلى الرؤية البصرية التي تجسد الواقع. هناك موضوعات لا يمكن لي تجسيدها إلا من خلال الصورة الفوتوغرافية، وأخرى لا تقبل تجسيدها إلا من خلال اللوحة. لذا فإني أمزج بينهما محاولاً التعبير عن هذا الواقع، بل ألجأ أحيانا إلى وسائط أخرى للتعبير مثل النحت والفيديو والتشكيلات البنائية.
لماذا التركيز على الذات حيث يقال إن أعمالك تعبر عن سيرتك؟
هذا صحيح، فالفنان الحقيقي في نظري، عليه أن يركز على ذاته قبل كل شيء، ويستنفذ ما يتعلق بها ثم ينتقل إلى العالم الخارجي، لأن الذات غنية بكل المعاني والتجارب، وهي التي دفعته لأن يكون فناناً.
تتميز لوحاتك أو صورك بنفس صوفي، كما تشير إليها عناوين أعمالك مثل «أنفاس رجل يؤدي صلاته كرمز» و«رباعيات الرومي» وغيرهما من العناوين التي تشير صراحة إلى اهتمامك بالدين؟
نعم، هيمنت عليّ الصوفية زمناً طويلاً ولا تزال. إنها معين روحي لا ينضب في نظري، وهي جزء من تراث العرب والجزائر، ولا يمكن للفن أن ينفصل عن الواقع. منحتني الصوفية رؤية شفافة، أرى من خلالها العالم بطريقة مغايرة، خاصة العالم المادي الذي يعيشه الغرب، ونتلمسه في حياتنا اليومية. ربما كان ذلك نوعاً من التحدي أو ردة الفعل. غالباً ما يلجأ الفنان إلى أصوله عندما يجد نفسه وسط تحديات ضاغطة.
لجأت في عام 2006 إلى المسامير وخلقت منها عالماً فنياً، هل يمكن أن تتحول المواد العادية إلى مساحة للفن؟
بالتأكيد. فكرة المسامير تشير إلى العامل اليدوي في البناء الذي يقوم به العمال المهاجرون. وحرصت على صنع هذه المسامير من الطبشور والزجاج والكريستال، كما أعطيها الشكل الغرافيكي أو النحتي الملائم. وهي رمزية عالية كما تعلم بالنسبة للحضارة السومرية والبابلية. المسامير بالنسبة لي ترمز إلى الربط بين ثقافة وأخرى، بين الحياة المدنية والحياة الطبيعية، وربما ذلك ما دفعني إلى عمل لوحات تتكون من الكثبان الرملية في الصحراء في تيميمون في الجزائر، وهي عبارة عن سلم يصعد إلى جبل وهمي.
هل يتطلب إبداع مثل هذه اللوحات الكبيرة مشغلا كبيرا؟
بطبيعة الحال، من حسن حظي أني أعمل في مشغل «كالدر» منذ عام، إذ أتيح لي استخدام الفضاء الممنوح لي لأعمل سلسلة من الأعمال الكبيرة، خاصة في النحت وتشكيلات الأسلاك. كل همي هو الربط بين عالمي الفني وعالم الجمهور. وهذا ما يجعلنا نتخاطب ونتكلم. يمكن القول إنه من خلال هذه الأعمال، أقوم بسرد قصة في حركة مستمرة تجمع بين المادي والروحي وتخلق أعمالا ومواد مرتبطة رمزياً بين ثقافة وأخرى.
فكرة المسامير تشير إلى العامل اليدوي في البناء الذي يقوم به العمال المهاجرون، لذلك صنعها الفنان من مواد مختلفة مثل الطبشور والزجاج والكريستال كما أعطاها الشكل الغرافيكي أو النحتي الملائم.
تعبير فني
انضمامه إلى مشغل «كالدر» عام 2009، أعطاه المساحة الفضائية ليعبر عن تشكيلاته الضخمة التي جسدت أحلامه الفنية في خلق علاقة وطيدة بين المادة المألوفة والتعبير الفني.
شاكر نوري


