ترفض أن تكون الثقافة «سلطوية»، وتفضل أن يظل العمل الثقافي محتفظا بجناحيه ليحلق في فضاءات الحرية وقتما يشاء..هذا ما تراه الكاتبة الكويتية استبرق أحمد وهي عضو في مجلس إدارة رابطة الأدباء لمرتين، وقد حققت حضورا لافتا منذ أول كتاب لها، حيث جعلت الصحافة والنقاد يلتفتون إلى تجربتها باهتمام. تمزج استبرق أحمد في كتاباتها بين الرومانسي والواقعي محققة معادلة صعبة..وفي هذا الحوار تشرع الكاتبة استبرق نوافذ عديدة نطل من خلالها على شتى القضايا الثقافية وخصوصا في الخليج..ولكن قبل ذلك لا بد من العودة معها إلى البدايات في هذا الحوار التالي نصه:
بدايات الكاتب تكون اما وهج مباغت أو كتابة على سبيل المحاولة أو تأثر بمحيط معين..كيف كانت بداية استبرق أحمد؟
الصوت الشعري ينهض في داخلنا الشرقي، فالشعر هو أقرب في ذاكرتنا المجتمعية والتاريخية كمرآة لمشاعرنا، نجذب العبارات مغترفين من تكويننا سكْرة اللغة، فقط الغاوون قادرون على بثه مدهشا وهو ما لم يحدث في نصي الساذج-الباهت شعرياً، توقفت طويلاً دون بحث عن اتجاه بل ضمن سؤال وجودي ودون توقف عن تناول القراءة بذائقة نهمه، المصادفة المبهرة جذبتني لمنتدى إلكتروني يدعى «شروق»، عام 2000 تقريباً عاودت الكتابة عبر نصوص تنبذ التصنيف، لاحقا وجدت منتدى المبدعين الجدد في رابطة الأدباء، انتقل المسار إلى شباك القصة ومازال..
جسد اللحظة
في أعمالك الأدبية نتلمس مزيجا من بعد واقعي وعمق رومانسي..كيف يلتقي هذان العنصران؟
لا أعرف بوجود البعد الرومانسي مخالطا عنصر الواقع، وعيك الجميل في قراءة نصي أخذتك لاكتشافات القارئ المحترف، أقدر ماعثرت عليه، هناك-ربما- خيط شفيف لكنه ليس عنصرا أساسيا، فالتعب الانساني هو محور كتاباتي، ينغرس في جسد اللحظة ويسري مسرى الهم، الترقب، يمضي عبر الوشاية به في انفراج كتابي، تتراكم المشاعر القادمة في النص تأتي بارتحالات للتلقي لتشي بخليط العناصر في لغة شعرية..
من خلال عضويتك في مجلس إدارة رابطة الأدباء في الكويت هل تجدين أن الروابط والنقابات والمؤسسات الثقافية العربية تقوم بدورها المثالي تجاه المثقف؟
كنت ضمن عضوية مجلسي إدارة، لكل منهم قائده وفريق، منهج وآلية عمل، تطلعات ونتائج، وإذا ماكانت المؤسسة ذاتها يختلف بها ماذكرت خلال فتراتها الزمنية، فكيف بالنسبة لمؤسسات في مناطق وبقاع مختلفة، فهي تخضع لاختلاف الجو السائد فيها، توافر الظروف المشجعة أو المخمدة لجذوة نشاطها في بلدانها ومدى جدية القائمين عليها في التعامل مع «المشروع الثقافي ومسائله»، لذا نجد تفاوتا في تقديم المؤسسات والجهات سواء رسمية أو خاصة للدور المفترض والحقيقي تجاه المثقف، يظل البعض يحاول، يصارع، يحقق وبعض يرزح تحت «لا» ضخمة رافضه للدور الفاعل، المتوقع، المنتظر.
تكبيل الحرية
لماذا تتهم معظم هذه الجهات انها سلطوية..وهل من الخطأ أن تكون المؤسسات الثقافية سلطوية خصوصا وانها ستحقق دعما جيدا من الحكومات..أم انه من الأفضل لها ان تكون حرة كي لا يؤثر احد على قراراتها؟
السلطوية مرفوضة خاصة في الثقافة التي قوامها تعددية الآراء وتنوعها وضرورة التحاور، وسواء كانت المؤسسة حكومية أو خاصة فالمهم هو تنظيمها ودعمها المالي دون المساس أو تكبيل حرية المؤسسة في قراراتها، بل حمايتها من أي اختراق يشّلها أو يتخذ ركيزة للتدخل خاصة المتعسّف، فالحرية مطلب الجميع..والفوضى والتضييق لا يقبلهما أحد.
رجفة الخوف
كثيرون يعتقدون أن هناك صراعا بين الأجيال يحدث في الروابط الثقافية فهل تؤيدين ذلك أم انها مشاجب تعلق عليها الخلافات؟
لا أنفي ذلك ولكنها أيضاً مقولة من الأفكار المقدسة نشعر برجفة الخوف إن حادت عن مسارها أو انتفت، نشعل حطبها ليأتي دخانها لنبقى أسرى ما صنعناه، صراع الجبابرة ـ مع الاعتذار لاسم الفيلم ـ قائم في كافة الأمكنة والأزمنة، إن لم يكن موجودا نسعى أحيانا لاختلاقه، إن كان خفيا وضعناه في الصدارة، وإن واهنا شددنا مع عزمه وقوته، أحيانا نخشاه لدرجة عدم مواجهته ومحاورته أو اللالتفاف عليه وبذل أفكار مضادة.
مفاتيح الأبواب
الإبداع في الخليج شهد تحولا في العقدين الأخيرين من الزمن فبدا أكثر نشاطا وتنوعا وحصدا للجوائز..ما سبب ذلك برأيك؟
اتفق معك حول نشاط لافت وإن مازال يحتاج للمزيد من الإيمان به من قبل الآخر، أعتقد تحولات كثيرة أدت لخلخلة وزحزحة المراكز الثقافية السابقة دون إلغاء أهميتها، وانتقال العالم من صعوبة التواصل إلى ولوج الكون الافتراضي وسهولة الاتصال والإطلاع، فالمنطق يفرض نتائجه في نتاجات ترتحل لبؤر الضوء والنضج في تجارب الإبداعية تقترب حثيثا من عوالم خفية وغامضة تحمل مفاتيح لأبواب بيوت المسكوت عنه..
من قمة الانغلاق إلى قمة الانفتاح..هذا الوصف ينطبق على الأدب الخليجي الحالي.. أيضاً نحتاج إلى تفسير لذلك؟
منطق القمم يفترض وجود هاوية، وهو ما حدث ـ باعتقادي ـ فمن قمة الانغلاق أتت الهاوية لنرتقي قمة الانفتاح لاحقا، وان قصدت بهذه القمة ما يحدث من الاتكاء على الجنس في النص الخليجي وبشكل خاص السعودي، أجيبك أنها فوضى/صرخة سيأتي من بعدها الاعتدال، هو اتجاه لا يخص فقط النص الخليجي وإن أثار الاستغراب لأنه أتى من مجتمعات محكمة الانغلاق، وأثق أن الكتابات الاستسهالية والضاجة بهذه الإقحامات ستمضي وتبقى على قمة الكتابات الناضجة بالاشتغال النصي والجديّة.
أمور مؤسفة
هل تظنين ان النقد والإعلام الثقافي متأخر عن الإبداع في الواقع العربي؟
عدم القدرة على مواكبة الإبداع ضمن تلكوء وتعثر هاذين العنوانين من الأمور المؤسفة فهناك «ضرر وضرار» على نتاج المبدع وتلقي المجتمع، النقد أغلبه مكرور ومتكاسل لا يلاحق النصوص الإبداعية الحديثة ويفوّت فعل التماس مع النص والإيغال فيه بما يستحق فيكرس أسماء دون أخرى، و الإعلام الثقافي في أكثره يفتقد للذكاء في الطرح والعمق في التعاطي فالسذاجة واللاوعي هما السمة الأعلى، كلاهما يأتي من المجتمع ويصب فيه التأخر واللاتقدم..
ما الذي تحضره استبرق من اعمال إبداعية في الوقت الحاضر؟
أجلس على كرسي التأمل والبحث في الالتقاطات الحياتية، منصته لمكر الخيال، أحاول القبض على اللحظة النورانية في الإتيان بنص يعبر عن ما أظنه باث للأسئلة، آمله الانتهاء من مجموعتي القصصية قريبا..
روافد التحديث
تقول استبرق أحمد ان المؤسسات أو الروابط أمكنة تنضوي فيها تواريخ وأزمنة، الثابت أنها لا تستطيع الاستمرار بلا روافد تبث التحديث والتجديد الذي ستهطل حداثة لاحقة عليه أجمل وأكثر اتساعاً لتسقطه عن ثباته.
الكاتبة في سطور
استبرق أحمد خريجة كلية الحقوق جامعة الكويت وحاصلة على دبلوم في السيناريو عام 2007_ 2008و عضو مجلس ادارة رابطة الأدباء في الكويت لدورتين متتاليتين. كاتبة قصصية، لها مجموعة تدعى «عتمة الضوء» فازت بجائزة ليلى العثمان للقصة في دورتها الأولى عام 2004.
أقامت استبرق أحمد أمسيات قصصية ومحاضرات داخل وخارج الكويت وشاركت في برنامج كُتّاب حول العالم «ةطذ« ضمن ورشة جامعة أيوا الأميركية عام 2005، كما شاركت بملتقى الشارقة تحت عنوان «القصة الخليجية الجديدة «عام 2007 وبندوة في معرض الكتاب العربي الثلاثين تحمل اسم «شهادات شبابية» عام 2005
عدنان فرزات
