من دأب البشر أن يكون شعراؤهم أشخاص نحيلي البدن شاردي الذهن لا يأبهون بصغائر الحياة اليومية وتفاصيلها وذلك ارتباطا بفكرة أن هذه الفئة مرهفة الحس والإحساس تتغذى على الكلمات والقوافي أكثر مما تقتات على تقدمه لنا الطبيعة مما لذ وطاب من شتى أنواع الأطعمة والأكلات والمشروبات.

هل يعقل أن يكون شاعر كبير قدم للإنسانية تراثا شعريا لن يمحى بقامة التشيلي بابلو نيرودا هو مؤسس رابطة الشعراء البدينين؟ في الواقع نعم، فلقد جال مؤلف «النشيد العام» أرض أكلة الـ «كولاش» في المجر بصحبة الشاعر الغواتيمالي ميغيل أنخيل أستورياس، وزارا على مدار أسابيع الكثير من المطاعم والبارات والحانات وبهذه الطريقة تمكنا من إعدد طبخة كتاب «الأكل في بلغاريا،الذي طبع،مؤخرا، في تشيلي لأول مرة. بابلو نيرودا ورفائيل ألبيرتي عاشا في الطابق الثاني من مكتبة في باريس، كان ذلك في عام 1938، ومن واجهة العرض كان تطل عليهما الأعمال الضخمة لفيكتور هوغو وفي كل يوم كانا ينزلان فيه من سكنهما مرورا بواجهة المكتبة تلك كان نيرودا وألبيرتي يقيسان كرشيهما اعتمادا على حجم الأعمال الكاملة للكاتب الفرنسي الشهير. «رفائيل غير المتحمس كان يصرخ قائلا : ها أنا أتجاوز الجزء الخامس من البؤساء»، وأنا كنت أرد عليه بدوري لكن بعد أن أضبط نفسي وأقول: أنا لم يرتفع وزني ولم أبلغ سوى نوتردام في باريس»، على حد تعبير نيرودا، الذي كان يرى وصديقه ألبيرتي أن زمن الشعراء الشاحبين والنحيفين قد ولى من غير رجعة، فالقرن العشرين كان زمن الشعراء الذين يأكلون ويشربون على نحو جيد وهكذا ولدت رابطة الشعراء البدينين.

على هذا النحو يتذكر نيرودا هذا الجانب من حياته في كتاب «الأكل في المجر»، الذي يمكن اعتباره دليل أدبي وسياحي وغذائي عبر أرض الـ «غولاش»، والذي جاء ثمرة رحلة واحتفاء بالطعام والشراب والثقافة المجرية، رحلة قام بها نيرودا بصحبة عضو آخر مشهور في الرابطة نفسها هو الغواتيمالي ميغيل أنخيل أستورياس.

في عام 1965، نيرودا واستورياس، اللذان كانا في طريقهما إلى نيل جائزة نوبل «التقيا في بودابست وكانا من الأشخاص الذين يتلذذون بالأطعمة ويتنعمون بها. هناك أمضيا سهرة في مطعم «ألابارديرو» الواقع في قصر قوطي من القرن الخامس عشر وسعدا بـ «الأطعمة اللذيذة المتلألئة» التي تذوقاها هناك. وأثناء الليل تبادلا أطراف الحديث حول روائع المطبخ المجري وعلى هذا المنوال وبين كأس وأخرى قررا تأليف كتاب حول هذا الموضوع الشيق.

لكن وعلى خلاف تلك الأفكار التي تولد وتموت في السهرات التي تغص في الطعام والشراب وعلى خلاف مقولة «كلام الليل يمحوه النهار» فإن نيرودا وأستورياس ضحيا وكرسا نفسيهما على مدار عدة أسابيع للتجوال بين المطاعم والحانات شاربين آكلين تاركين نفسيهما تقعان في أحضان غواية النكهات والروائح والتوابل.

كتب نيرودا:

« لذلك، فإن هذا المجلد الغليظ أو هذا الكتيب أو هذا الكتاب( مصدر لهو الشعراء وتسليتهم، حلم حقيقي في ليلة صيفية) حل ضيفا خفيف الظل على البيوت المجرية وبلغ حد الكمال بين القصائد الروائية للغجر والمواقد المغنطيسية التي لا تقاوم. البهارات والتوابل القادمة من كل الأرض تدخل في هذه القدور السخية والمجريون يدركون أن التعايش يقابله تناول الطعام على مائدة واحدة».

نشر عام 1967 في بودابست وعام 1972 في إسبانيا، بينما أطلقت «إصدارات الجامعة الكاثوليكية الطبعة التشيلية الأولى من «الأكل في المجر». ويقول نيرودا:

«إذا كان هناك كتبا أو كتيبات أو مجلدات مبهجة فهذا واحد منها، ليس فقط لأننا كتبناه ونحن منغمسين في الأكل والشرب وإنما لأننا أردنا أن نكرم بالكلمات الصداقة الكريمة واللذيذة».

نيرودا كان شاعرا نحيل الجسم، جاء من أسرة فقيرة كان المطبخ فيها مجرد إجراء شكلي. وعندما سافر طلبا للعلم إلى العاصمة سانتياغو دي تشيلي، إعتاد أن يتناول طعام الغداء في مطعم «الخوتي» وكان قوامه شوربة معدة من اللحم مع نبيذ رخيص الثمن، كما كان يبقي نفسه واقفا على قدميه بالكعك والقهوة المخلوطة مع الحليب.

لكن الرحلات والشهرة جعلته شخصا مترهفا، ففي الشرق عشق التوابل والويسكي وفي إسبانيا أحب لحم الخنزير الجبلي وأنواع الأطعمة التي تقوم على الأرز فضلا عن ثعبان الماء، وهناك بدأ يتحول إلى شاعر بدين.

أستورياس ونيرودا بجسميهما المليئين كانا قد أصبحا شاعرين مشهورين وصديقين حميمين عندما التقيا في بودابست، كانا قد تعارفا عام 1940 في غواتيمالا. وبعد مرور عدة سنوات على تعارفهما أنقذ أستورياس حياة صديقه حين أعار جواز سفره لنيرودا كي يتمكن الأخير ،الهارب من نظام غونزاليس فيديلا، من السفر من بيونس أيريس إلى باريس عام 1949.

وهكذا فإن الكتاب يعتبر بمثابة شهادة حقيقة على الصداقة التي جمعت بين الرجلين. من الغولاش إلى الشوربة لحم الخنزير البري، من الأسماك المقلية إلى البط ومن الباذنجان إلى الملفوف المحشي، يحتفي الكاتبان بالمطبخ بذوق رفيع. يطوفان بودابست، يقطعان الدانوب، يعبران «بلدات بيضاء كالغيوم» ويذهبان للتعرف على نبيذ هنغاريا الخضراء. رحلة لا تنسى. «كل أكلة كانت بمثابة حفلة صغيرة»، على حد تعبير أستورياس.«أحب في المجر ذلك التداخل بين الحياة والشعر وبين التاريخ والشعر»، كما كتب نيرودا في «أعترف أني عشت، مذكرات شاعر بدين».

مقطع من كتاب «الأكل في المجر»

الحياة واقعة في قصرها المشيد من الفاكهة والأكلات المعدة من الأسماك ومن اللحوم ومن كل ما يشكل محتوى مائدة طيبة. الهجوم النهائي يحضر له بشكل علمي المختصون بأنظمة الحمية وبشكل جمالي خياطو النساء ومن الناحية الدينية النساك والمؤمنون الورعون ومن الناحية الاقتصادية التجار ومن ناحية التوقيت خط السير والساعات.

من المطابخ هربت الساعات المحببة لتحضير الأطباق والحلوى وحل محلها حزن متنكر بقلق البدانة وطريق الخطيئة، وثمن الاضطرار للالتزام بمواعيد محددة، كل ذلك قضى على ما كان في الماضي محببا ومبهجا ولذيذا متمثلا في الجلوس وتناول الطعام.

الناس لا يأكلون الآن. يتناولون من الأطباق، متمنعين، كمية محددة من الأطعمة التي لا تحتوي إلا على السعرات الحرارية اللازمة. حذار من التعدي والتجاوز، حذار، طفح الميزان وزاد على الحد، في المطبخ،الكمية المحدد بدقة، حذار من تلك المعجنات. حذار من الخبز، ابتعد عنه نهائيا، من الماء اشرب كمية أقل، ابتعد عن النبيذ نهائياعصير خال من السكر، عديم الطعم، أكمل التضحية.

أن يكون الطعام بلا لون ولا طعم ولا رائحة هي أفضل طريقة عند المتخصص بالحمية، سيان. انعدام الطعم كانعدام الحب.انعدام النكهة يتغلغل إلى الموائد حيث كان كل شيء بهيجا في الماضي.

قصة الكتاب

بابلو نيرودا وميغيل أنخيل أستورياس صديقان حائزان على جائزة نوبل للآداب يلتقيان على حب الأدب والشغف في الطعام في المجر عام 1965، ويجسدان رحلتها في كتاب ذهب إلى ما هو أبعد من الأدب والقوافي واستبدلها بالمطاعم والمشروبات والحفلات، بحيث انتهى بهما الأمر وهما يكتبان بأربعة أيدي كي يرى النور كتاب «الأكل في المجر»، الذي لم ينشر في تشيلي، مسقط رأس نيرودا، حتى وقت قريب، والذي يتصف بالغرابة ويثير الفضول كنص يقدم للوفود الدبلوماسية المجرية بعد أن وصل، أخيرا، إلى المكتبات التشيلية.

باسل أبوحمدة