لم يتمكن الشاعر الفرنسي لوي أراغون وزوجته أن يقاوما رغبتهما الجانحة في امتلاك منزل «لي مولان» الكائن في ضاحية رامبوييه التي تبتعد بضعة كيلومترات عن العاصمة، بعد أن شعرا بالملل والقنوط من حياة الشقق الباريسية الضيقة لأنهما كانا بحاجة إلى هذا الفضاء الواسع من أجل تعميق حبهما والانشغال في حياتهما من جديد.
قام أراغون بشراء منزل «لي مولان» الواقع على وادي «ريمارد» في عام 1951 وأهداه إلى زوجته الروسية الأصل الزا تريوليه ليكون لها منزلا في فرنسا بعد أن غادرت موطنها الأصلي، كتكريم لها والتخفيف عن حياة الغربة التي كانت تعيشها. ولهذا المنزل تاريخ طويل يمتد إلى القرون الوسطى. وكان يشكل حتى قيام الثورة الفرنسية جزءا من ملكية الأمير روهان ـ روشفور. تبلغ مساحة حديقته فقط خمسة هكتارات، يتعرج فيه الوادي مثل ثعبان وسط الأشجار الوارفة الظلال. وكثيرا ما حلم العاشقان أراغون والزا انهما يمخران هذا الوادي على قارب رومانسي بعيدا عن هموم الكتابة.
وفي المبنى القديم، قام الزوجان بإنشاء صالة لاستقبال الفنانين والأدباء في إطار تكريس الإبداع وعرض لوحات الفنانين. وربما كان ذلك تعويضاً عن حياة اليتم التي عاشها اراغون إذ تعهدت برعايته جدته مارغريت، وهي التي أطلقت عليه اسم لوي أراغون. وهكذا عاش الشاعر في بيت لا يوجد فيه رجال. وقد عرف الفقر واعترف في مذكراته عن المشاكل المالية التي لم تجعله بمستوى أقرانه في المدرسة. وشغف لوي الصغير بالكتابة من السادسة حتى التاسعة في عزلة تامة لدرجة لا يتذكر فيها يوما بأنه لم يمارس الكتابة وحتى قبل أن يتعلمها، كان يملي نصوصه وخيالاته على خالاته من اجل تسطيرها على الورق الأبيض الذي طالما شغف به الشاعر وصّب عليه جميع همومه.
ولم يتردد صاحب الديوان الشهير «الزا وعيون الزا» أن يستدين الأموال من أجل ترميم هذا المنزل وجعله أكثر جمالا ليكون مكانا لاستقبال الفنانين والكتاب والمبدعين. وقد تحول الشاعر نفسه إلى بستاني حتى أدهش ضيوفه وزواره. بل وكان يعمل في ترميم الممرات وتقليم الأشجار في حديقة تبلغ مساحتها خمسة هكتارات. «من أجل تحويل هذه الغابة العذراء إلى حديقة مزهرة، يجب إنفاق ثروة من المال...» وأراغوشا... الاسم الذي أطلقته عليه الزا، كان يعمل بجهد كبير دون راحة.
التقى أراغون بالزا في عام 1928 وتزوج منها في عام 1939، وعاشا جنبا إلى جنب في شارع في شارع «لاسورديير» في غرفتين في باريس في بادئ الأمر قبل أن ينتقلا إلى هذا المنزل الريفي. وقد ولدت الزا تريوليه في موسكو عام 1896 ودرست الهندسة المعمارية في بلدها الأصلي روسيا. ومن ثم حازت على جائزة «غونكور» الأدبية الرفيعة من فرنسا عام 1945.
ولهذا قامت بنفسها في عمل ديكورات هذا المنزل ولم تعر أهمية إلى المعماريين الذين كانوا يلتزمون بقوانين معينة في ترميم المباني وعمل ديكوراتها. وسرعان ما بدأ الأصدقاء يهدون لهما اللوحات الفنية العظيمة، مساهمة منهم في تجميل ديكوراته. وفي المطبخ تجد لوحة سيراميك من الفنان فيرناند ليجير. كما تقدم فنانون آخرون أمثال بيكابيا، مان ري، براسي، ديسنوس، ودوشان بتقديم أعمالهم كهدايا.
وبعد صدور رواية «الحصان الأصهب» في عام 1953 لإلزا، قام الرسام فيرناند ليجير برسم لوحة تشكيلية هائلة. ثم أهدى لهما بيكاسو مزهريتين من السيراميك وضعاهما في الصالون.
وفي مكتب اراغون، توجد لوحة مطبوعة بالحجر لبيكاسو تضاهي لوحة فيرناند ليجير التي تحمل قصيدة ايلوار الشهيرة «الحرية». وقد استطاعت الزا تريوليه أن تطور فنا خاصا بها من خلال ربط هذه الأعمال وتجميعها في ما يشبه المعرض الفني المثير.. وثمة تحف فنية في صالة الطعام جاءت من تاهيتي. وتسود معظم الغرف اللون الأزرق الآتي على جناح الحب من سان بطرسبورغ، وهو اللون المفضل لدى الزا. أما الأرضية فكانت مفروشة بالسجاجيد الروسية التي تعود إلى القرن التاسع عشر.
فيما ترك اراغون لها حرية التصرف ووضع اللوحات في الأماكن وعلى الجدران كما تشاء على ذوقها. وتميزت هذه الفنانة بمكتبها الذي كانت تعتبره عالمها الحميمي الذي أنشأته حول مقتنياتها وذكرياتها السعيدة منها والحزينة. وعلى الرغم من أن اراغون كان لا يرغب بدخول أي شخص إلى مكتبه كان هو يدخل إلى مكتبها ويقرأ عليها ما كانت تتفتح به قريحته من أشعار وروايات.
وعلى الجدران، توجد ذكرياتها من الصور التي تمثل تفاصيل سفرتها إلى تاهيتي وذكريات أخرى عن مايكوفسكي الذي انتحر في عام 1930 وتشييع جنازته. أما الأرائك الجلدية التي أهداها لها اراغون بمناسبة الذكرى الثلاثين للقائهما، فكانت تزين الصالون.
وكان اراغون يمضي الليل والنهار في تسويد الصفحات تلو الصفحات في مكتبه في الطابق الأرضي. وفي هذا المنزل كتب أعمالا عديدة من عام 1951 إلى 1970 منها «الأسبوع المقدس» 1958 و«الموت» 1965 و«الأبيض أو النسيان» 1967 و«إلى هنري ماتيس» 1971. كما كتب في هذا المكتب «تاريخ الاتحاد السوفييتي» 1917 إلى 1960 «واشتهر بأنه يكتب دفعة واحدة بدون تصحيحات.
وعلى الرغم من انشغاله بالكتابة، كان الشاعر يجد الوقت للاستقبال والدردشة كونه يجمع بين السياسة والأدب. وعرف عن تاريخه الشخصي بأنه انهمك في نقاشات الأحزاب السياسية الأوروبية وانخراطه في المقاومة ونقده الستالينية وغيرها. لذا كان يستقبل العديد من الشخصيات في هذا المنزل بعيدا عن العاصمة. وفي الحقيقة فقد تفتحت قريحة الشاعر في هذا المنزل الريفي لأن الديكوارت المنزلية والمسرح كانا ينقصانه في باريس بل جسد عالمهما الصغير.
وفي نهاية المطاف، ومثل جميع الأشياء الجميلة التي لا تدوم، لم تعد الحياة ممكنة بعد وفاة الزا ولم يعد يتمكن حتى من زيارة هذا المنزل فيما بعد لما يثيره من ذكريات. لذا توقف عن كتابة مذكراته في تاريخ 16 يونيو من عام 1970 وهو تاريخ وفاة زوجته.
وكما عبرت ايلزا عن رغبتها بدفنها في حديقة هذا المنزل، كما في روايتها «الحصان الأصهب»، فقد قام زوجها بذلك إخلاصا لوصيتها. وفي عام 1982 عند وفاة الشاعر كان قد أوصى بمنح هذا المنزل إلى الدولة الفرنسية حيث ظل مهجورا أكثر من عشرة أعوام مع ما يقرب من 100 ألف كتاب إلى أرشيف «المركز الوطني للأبحاث»..
وقد تحول مجرى الوادي عنه وظهرت عليه آثار الحزن والكآبة. لذا قررت الدولة الفرنسية إعادة ترميمه من جديد. ومنذ عام 1995، افتتح منزل لوي اراغون كمتحف للجمهور ليتتبع آثاره وحياته.
حياته
ولد لوي آراغون في 2 أكتوبر عام 1897. منذ بدايات حياته، وقف بقوة إلى جانب شعوب فيتنام والجزائر كما وقف إلى جانب مصر أثناء العدوان الاستعماري. اشترك في تأسيس مجلة الآداب الفرنسية وكذلك اللجنة الوطنية للكتاب وهي الجبهة الثقافية في فرنسا.
وقد تزعم المدرسة السريالية في الشعر والأدب بين عام 1920-1930ثم تحول عن السريالية بعد التقائه بزوجته الزا تريوليه واعتناقه الفلسفة الاشتراكية ثم انضمامه إلى العمل الحزبي في سنة 1932. كان منذ عام 1932-1939 من أقوى المناضلين ضد الفاشية والحرب.
ومنذ 1945 وهو يدير الحركة الثقافية والأدبية النقدية في فرنسا بوصفه رئيس تحرير الآداب الفرنسية ومدير دار الناشرين الفرنسيين المتحدين ونائب رئيس اللجنة الوطنية للكتاب. سُجن خمس مرات بسبب كتابة قصيدة «الخطوط الأمامية الملتهبة». عمل فترة من الوقت محررا في كل من : «اللومانيتيه» و«سي سوار».
لم يكن المنزل بالنسبة للشاعر الفرنسي الشهير لوي أراغون سوى فضاء يستشرف من خلاله أفق كتابة الشعر الذي شعر بأنه يموت في الشقق الباريسية الضيقة كما أن هذا المكان المفتوح كان يمثل له حالة الاختلاء مع حبيبته إلزا ليتفرغ في الكتابة عن عيونها فقط بضع مجاميع شعرية، نشرها لاحقاً في ديوان بعنوان «إلزا وعيون إلزا».
أشعاره ورواياته
يتوزع إبداع أراغون على المجموعات الشعرية التالية: نار الفرح، قلب كسير، عيون الزا، متحف جريفان، ديانا الفرنسية، مجنون الزا. أما مؤلفاته الروائية فهي: فلاّح باريس، البانوراما، أجراس مدينة بال، الأحياء الجميلة، المسافرون على عربة امبريال، اورليان، ثم رواياته في مرحلة التجديد الروائي التي احتوت على أعمال مهمة منها: حُكم بالإعدام، النسيان، مسرح/رواية.
وكانت المأثرة الكبرى هي طبع النتاج الروائي المشترك بينه وبين الحبيبة الزا الذي احتوى على 42 رواية موزعة بينهما بالتساوي حيث احتوى هذا المطبوع الضخم على 21 رواية لأرغون و21رواية لألزا. ومن كتبه المهمه في النقد، كتابه - أحاديث الغناء الجميل - إضافة إلى مؤلفات أخرى مثل«من اجل واقعية اشتراكية» و«ستندال» وغيرهما. يعتبر كتابه «أحاديث الغناء الجميل» من أهم ما وضع في نظرية الشعر المعاصر.
أجمع النقاد على اعتباره من كبار كتاب القصة الواقعية لأعماله القصصية الرائعة وخاصة سلسلة «العالم الحقيقي» التي تشمل «أجراس مدينة بال» ثم «الأحياء الجميلة» و«المسافرون على عربة امبريال» و«اورليان» أصدر في مجال النقد والنظرية الجمالية: «بحث في الأسلوب» «الثقافة والإنسان» «من اجل واقعية اشتراكية» «ستندال» «الآداب السوفييتية» لعبت «الآداب الفرنسية» التي يرأس تحريرها دوراً مهماً في التعريف بأدب شمال إفريقيا المغرب وتونس والجزائر.
باريس
حيث يوجد الخير في قلب الغضب
حيث يصفو قلب الليل
الهواء كحول وسوء الحظ شجاعة
إطارات النوافذ مكسورة الأمل
لا يزال يشع هناك
ومن الحوائط المهدمة ترقي الأغنيات الهواء
******
لم يطفأ أبداً بُعثَ من لهيبه
هذا الوهج الخالد لوطننا
من بوادر وجور إلى بير لاشيس
في أغسطس أحلى أشجار الورود المزهرة
الناس في كل مكان دم باريس
******
لا وراء مثل باريس تحت هذا الغبار
لا شيء في نقاء موجة جبينها المفتقة
لا شيء في مثل هذه القوة لا النار ولا الرعد
مثل باريسي .. مخاطرها تتحدى الشجعان
لا شيء فاتن مثل باريس التي أملك
******
لا شيء من قبل جعل قلبي
ينبض هكذالا شيء ألف بين ضحكاتي
ودموعي هكذامثل هذه الصرخة
لمواطني المنتصرين
لا شيء عظيم قدر كفن ممزق منسول
باريس، باريس حررت من نفسها
ترجمة: عبدالوهاب البياتي وأحمد مرسي
عن كتاب : أراغون شاعر المقاومة ـ الطبعة الثانية
شاكر نوري



