الخشب في عهدة النبات، حامل أنفاسه، الدال على شفافية القيمة الجماعية المتوارثة والمحفوظة في أصوله، حيث المعتبَر رديئه يعاشر المعتبر جيده وثمينه، تبعاً لوصفتنا النفعية عنه، إنه روح النبات وقد همدت أنساغه.
بيننا وبين الخشب تاريخ طويل من العلاقات، وهو يحيط بنا من الجهات قاطبة. إننا في عالم متنوع من الخشب من جهة الاستعمالات وفنون التركيب والتحويل، وفي وسع المرء تحديد أمكنة تواجده وأهميته بحسب انتشاره. لكن الذي يبقى قابلاً للقول هو أنه معيننا وطوع رغبات كثيرة لنا، حتى في الموت (يحضر التابوت هنا)، إنه المتنوع في أصنافه وسلالته الطبيعية، لكنه الأثير عندنا، وإن لم نحدده، وهو يصلنا بنظير روحي لنا: النبات!
يبقى الحديث عن الخشب باعتباره مراتب ومقامات من حيث الجودة، مدلَّساً في الكثير مما يطلقه عليه من أحكام أو قيم، ما فيه من خيالات تصعد بمفهوم الخشب إلى مستوى بني البشر، بذكر الصلب منه والمتماسك والهش والأطول عمراً، فيكون الرديء والحسن والمحدود الاستعمال تعريفات وتوصيفات لاسمه.
ثمة تدخل في شئون الطبيعة، سعي إلى الفصل بين كائناتها، لنحسن التكيف معها، ولو أن ذلك يسيء إلى وحدتها، لأن الخشب المنتمي إلى الطبيعي، وهو في اختلاف عناصره تبعاً لبيئاته والمألوف فيه، يحتفظ بعلامات فارقة لا يجب تجاهلها لحظة التذكير به، إنه لاختزال فظيع كلما أشير إليه، وكأنه الموجود فقط فيما يصنَّف باسمه، أنه المأمور طوع رغباتنا، ونحن نمارس فيه أهواءنا في التبذير والتمثيل فيه، تعبيراً عن ميول قارَّة فينا، وذلك من خلال طبيعة علاقتنا به وهو في أرومته الطبيعية، في قوامه الحي، وروعة «أعراقه» دون النظر في الحكمة التي تجلوها وراء الممتد الموجي عالياً.
وكأن الناظر يأبى الإصغاء إلى الصوت السامق وبوح الأخضر الهائل التكوين وجليل القائم على تصريف أموره أبعد من حدود الحسي، مثلما يتجاهل عمق المعنى المتجذر في انفجار سكانه الوحيد الذي يكون علامة ادهاش كونية وفعل توازن طبيعي وتفاؤل حياتي.
هذا الفصل الذي يتم تعسفياً وفي منزع عن أي تقدير وإدراك لخطورة النتيجة، بين الخشب الذي يجري استهلاكه على قدم وساق، جرَّاء العنف الموجَّه ضد الكائن النباتي الذي يزيّن عالمنا( تصوروا عالم خال من الشجر، قبل كل شيء، أي قيمة تبقى للحياة التي نحتفي بها، مثلما ندَّعي أننا حريصون عليها؟)، والنبات الذي يكون له إحساسه المختلف.
وهو يؤدي دوره كما هو مأخوذ به، والشجر في عداد الجمع الغفير من النبات بعيداً عن زحمة شعاراتنا، بعيداً عن بث التفرقة بين المنبسط والقصير القامة وطويلها ومتوسطها، فتلك ألقابنا وأنخابنا في خلق الموازيات لنا والمضي قدماً في تضييق الخناق حولنا، ونحن لا ننفك، نسمّي خوفنا على الطبيعة.
وفي أيدينا ما يخالف خاصية الخوف تلك، ونحن نبقي الخشب في عهدتنا، متوقعين مدداً تلو مدد وهو يستجيب لفنون نيلنا منه، ونحن نعلي من شأنه كما هو استحقاقه، ونغمطه حقه كلما تعاملنا معه دون مساءلة، وإن تحدث أحدهم عن أن جسمه( تخشَّب) وكأنه يشيد به، ولكنه يسيء إلى أصل الخشب، بقدر ما يعترف بفضيلته النباتية في قرارة نفسه!
وسط كم وافر من التناقضات العائدة إلينا، يظل الخشب أمثولة للنظر والدرس، لتبيان فداحة المسألة، وخيانة وصايا الطبيعة الأكثر حضوراً فينا، على صعيد التذوق الجمالي، وفي مضمار المعطيات الوجدانية، ونحن عاجزون على ضبط علاقتنا بأنفسنا، إذ نهبط بمستواها الاعتباري إلى درجة دنيا في هدر الطبيعة وهضم حقوقها في الغالب، حيث الخشب لا يخلص إلا لاسمه كما هو مخلوق معه مذ وجد، ونحن نصرفه كما هي صورتنا عنه.
الخشب: في عهدة النبات، حامل أنفاسه، الدال على شفافية القيمة الجماعية المتوارثة والمحفوظة في أصوله، حيث المعتبَر رديئه يعاشر المعتبر جيده وثمينه، تبعاً لوصفتنا النفعية عنه، إنه روح النبات وقد همدت أنساغه!
الخشب في عهدتنا، لأنه في منبته محمول بأثرنا فيه كما يقول تاريخه، ونحن نلحقه بنا رغم تميزه عنا كثيراً جداً!
يخلص الخشب لنوعه، لما أوكل إليه القيام به منذ انبثاقه من الأعماق وصعوده المميَّز به نحو الآفاق، في حالة من التفاني والمضيافية الخاصة به، كما نعثر على أثر هذا السخاء بالذات في الفنون البصرية واليدوية، كما تشهد الأطر الحاملة لأسماء النبات ضمناً، للشجر الذي لا يتوارى عن النظر لدى الضليعين في أموره.
ثمة إلغاء لهذا الحد الوسط ونحن نتعامل مع الخشب الذي يكون نباتيَّ الجنسية، عندما نبقي النبات في عهدتنا، حيث نعرّف بأنفسنا القيمين على النبات وسواه، نعتبره أمانة بين أيدينا، وفي أيدينا ما يخل بمبدأ الأمانة، وإن اقتصر ذلك على عود صغير ونحن نعبث به.
حيث الجزء يفتح محضر الكل أو يستذكره، ونحن نعدد أدوارنا، وفي كل دور ما يطيح بالقيمة المتوخَّاة: إزاء النبات ونحن بعيدون عن تقدير حكمة وجوده، ومع الخشب الذي نقصيه عن جهته، لأننا نعدم في أنفسنا الوسيط العقلي الذي يعنينا، ونحن في موضع المسئولية الضمنية إزاء من يعلونا، بوعي مباشر أو بدونه، وما في ذلك من معنى له صلة بالأخلاق التي تسمّينا وحدنا دون غيرنا!
ابراهيم محمود
