تتكدس ملايين الصفحات خلف جدران الحجب والمنع، هذا إذا لم تطلها النيران، نيران أدخلت العالم في سبات عميق وأعادتنا نحن إلى عصور من التحجر الفكري، وكأنه لم نكن يوما سادة علم وأصحاب ثورة معرفية انطلقت من بين الكتب قادت العالم إلى اكتشاف سعادة الحياة ومصادقتها بدلاً من التمرد عليها.
في تراثنا يوجد عدد هائل من الكتب التي تعاني من الإهمال والنسيان والتي دخلت عالماً من السبات بسبب عدم دراية الرقيب أو لأنه ينتمي إلى عصر آخر غير العصر الذي يعيش فيه، فقد أهملت كتب في تراثنا تضاهي ما منعته الكنيسة ذات يوم وتتفوق من حيث المحتوى الفكري على مئات غيرها، جميعها ذهب أدراج النسيان.
عشرات من الكتب التراثية الممنوعة بأوامر مجهولة المصدر تعرض على مكتبات الرصيف وقد تآكل ورقها ونال منها الزمن وتباع بأسعار عالية لأن بائعها يدرك قيمتها، وكذلك مشتريها، كلاهما يعلمان أن هذه النوعية من الكتب هي التي تقدمت في عصرها، وكانت في موقع الصدارة ذات يوم، تراجعت في عصر العلوم الحديثة بحجة مخالفتها للرأي أو عدم نيلها رضى الرقيب.
ولربما صادف أحدنا كتاباً من تلك الكتب التي تعرض على الأرصفة وتوقف مستفسراً كيف وصل إلى هذا المكان، وكيف يمكن المتاجرة به بهذه الطريقة البدائية، هل لأن البائع يدرك فحواه فيخفيه عن أعين رقباء الصور وقبلات الأفلام أم أنه يدرك قيمته المادية ولا يريد التفريط به إلا لمن يدرك قيمته الحقيقية.
في عصر هذا التفوق العلمي الهائل لا تجد كتب تراثية طريقها للنشر، والأسوأ ان معظم تلك الكتب تعيش في عقل الرقابة على انها كتب ممنوعة تمس الأخلاق أو تحرف السلوك أو تدفع إلى التمرد لذلك تبقى في قائمة المحرمات لعدة أجيال وأجيال، ويجري تداولها كالحشيش أو الصور الخلاعية في الشوارع الخلفية، ولعلها في رأي محكم التفتيش أكثر خطورة.
أليس من واجب المؤسسات الكبيرة التي تتخذ من الطباعة وتعميم الفائدة شعاراً لها، والتي تصدر الكتب بالمئات سنوياً ان تلاحق تلك الكتب التراثية وأن تعيد إليها الحياة ليس عبر ترميمها أو معالجة ما تلف من أوراقها فقط، بل بإعادة طباعتها ووضعها بين أيدي الناس، إذ ليس من المعقول أن يحصل الشاب على المخدرات بطريقة أسهل من كتاب ألف ليلة وليلة!
