والتر بنجامان هو ناقد أدبي كبير وأحد الوجوه الأدبية الأكثر شهرة في القرن العشرين. وبرتولد برخت، هو أيضا شاعر كبير، وقبل هذا هو كاتب مسرحي ملأت شهرته آفاق العالم كله. هذا ما يعرفه جميع المهتمين بعالم الأدب.

ولكن ما لا يعرفه كُثر، هو أنه كانت هناك صداقة متينة تربط بين القمتين الأدبيتين، وفي فترة دقيقة من التاريخ الألماني، هي فترة ما بين الحربين العالميتين (1914-1918) و«1935-1945).

اردمونت ويزيسلا، مدير الأرشيف الذي يضم أعمال برتولد برخت في العاصمة الألمانية برلين، يكرّس كتابا كاملا لهذه الصداقة تحت عنوان: «والتر بنجامان وبرتولد برخت، قصة صداقة».

ما يشير إليه المؤلف منذ البداية هو أنه اعتبارا من اللقاء الأول الذي ضم بنجامان وبرخت قامت بينهما علاقة قوية سرعان ما تحوّلت إلى صداقة عميقة توطّدت أكثر فأكثر عندما شرعا بتبادل الرسائل الشخصية، بل وبعض المشاريع «المشتركة» التي لم ير جزءا كبيرا منها النور.

ولكن أيضا جمعت بينهما صداقات مشتركة ليس أقلّها تيودورنو ادورنو، أحد أشهر المفكرين الألمان في القرن العشرين وحنّه ارنت، الفيلسوفة المعروفة. وينقل مؤلف هذا الكتاب الكثير عنهما في حديثه عن صداقة بنجامان وبرخت.

كذلك يقوم المؤلف أيضا بالتعريف باثنين من أهم أدباء ومفكري أوروبا. ويركز على توصيف والتر بنجامان أنه فيلسوف وناقد أدبي، ولكن مترجم أيضا حيث قام بترجمة أشعار بودلير، وكتابات مارسيل بروست وهونوريه وبلزاك إلى اللغة الألمانية.

ويلفت المؤلف الانتباه إلى أن بنيامين لم ينشر شيئا أثناء حياته تقريبا وبالتالي كان مصدر رزقه الأساسي هو من أبيه الذي كان مصرفيا في البداية ثم انتقل إلى بيع الأثاث والأشياء القديمة.

ومن الأحداث التي تركت أثرها في حياته باستمرار انتحار اثنين من أصدقائه، زوج وزوجة. دافع عن أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة «بيرن» حول «النقد الفني في الحقبة الرومانسية».

أمضى والتر بنجامان فترة طويلة في فرنسا، وسعى عند نشوب الحرب العالمية الثانية أن يغادر أوروبا كلها إلى الولايات المتحدة. لكن لأسباب مجهولة وعند وصوله إلى اسبانيا، بعد سفر سرّي شاق، للإبحار نحو العالم الجديد، انتحر بابتلاعه كمية ضخمة من «المورفين».

أما الأوراق التي كانت بحقبة يده والتي وصفها بمخطوط «أهم من حياته» لم يتم العثور عليها أبدا. بكل الحالات هناك أطروحات أخرى حول وفاته غير الانتحار، وهو اغتياله من قبل الفاشيين أو من قبل الأجهزة الستالينية.

أما برتولد برخت، الكاتب المسرحي والمخرج والناقد والشاعر، فقد باشر دراسة الفلسفة وتحوّل إلى الطب كي يستقر في الكتابة المسرحية. غادر ألمانيا عند وصول النازيين إلى الحكم والذين كانوا قد منعوا كتبه وأحرقوها في نفس السنة 1933. استقر في هولندا وأرسل من هناك العديد من الرسائل لصديقه المقرّب والتر بنجامان نزع عنه النظام النازي جنسيته الألمانية عام 1935.

وفي ذلك العام كان أحد الفاعلين في المؤتمر الدولي للكتاب من أجل الدفاع عن الثقافة، الذي انعقد في العاصمة الفرنسية باريس. اضطر عام 1939 الهرب من هولندا فأقام لفترة في السويد ثم في فنلندة ووصل إلى كاليفورنيا عام 1941. لكنه اضطر من جديد إلى مغادرة أميركا بتهمة ممارسة نشاطات «هدّامة» فعاد إلى ألمانيا الشرقية. توفي بالسكتة القلبية عام 1955.

هذان المساران لكل من والتر بنجامان «رجل العبقرية الصافية» وبرتولد برخت «الملتزم بالدفاع عن العدالة» ساهما في «تقاربهما الكبير» ضمن إطار «الحركة اليسارية» الألمانية.

ويحدد مؤلف هذا الكتاب عدة نماذج لصيغ تقاطع مساري حياة بنجامان وبرخت. ويجد أولا أن تاريخية مسيرة حياتهما السابقة على تعارفهما جعلت لقاءهما نقطة لقاء حياتهما السابقة على تعارفهما جعلت لقاءهما نقطة لقاء «لا رجعة عنه» منذ عام 1929 وحتى وفاة والتر بنجامان عام 1940.

ويرصد المؤلف ثانيا المحاولات الاحدى عشرة التي قام بها بنجامان من أجل شرح أعمال برخت. وحتى بعد عام 1933 بعد منفى بنجامان إلى باريس وبرخت إلى الدانمارك، يقدّم المؤلف «جردا حسابيا» يصل بنتيجة إلى التأكيد أنهما عملا معا عن قرب خلال سنة كاملة على الأقل.

وكان الاثنان يعتبران أن «النقد» هو مثل السياسة بمعنى أنها «متابعة الحرب بوسائل أخرى. وكان بنجامان يرى في مسرح برخت وسيلة من أجل تغيير مجرى الأمور. بل لم يكن يتردد في القول إنه أحد أهم الشخصيات في زمانه. ويؤكد المؤلف أنه، أي بنجامان، كان يتجوّل على معسكرات الاعتقال في فرنسا عام 1939 كي يقرأ أشعار برخت المساجين خاصة قصيدته عن «النفي القسري».

الكتاب : والتر بنجامان وبرتولد برخت، قصة صداقة

تأليف: تلامونت ويزيسلا

الناشر: جتمعة يال 2009

الصفحات: 288 صفحة

القطع: المتوسط

Walter Benjamin and Bertolt Brecht

Erdmut Wizisla

Y ale University Press- 2009

288P.