بعد الكتاب الشهير «نحن بنات أمهاتنا» الذي عرف نجاحا جماهيريا كبيرا في الولايات المتحدة الأميركية، تقدّم «كوكي روبرتس»، الصحافية والمعلقة السياسية، كتابا جديدا تحت عنوان «سيدات الحرية»، مع عنوان فرعي يدل بوضوح عن الموضوع الرئيسي للكتاب. العنوان الفرعي هو: «السيدات اللواتي ساهمن في تشكّل الأمة الأميركية».
ولا تتردد المؤلفة في القول منذ البداية أن هدفها الأول من هذا الكتاب هو التعريف بتلك السيدات «البطلات» اللواتي كان حسّهن الوطني وما قدّمنه من تضحيات قد ساعد كثيرا في بزوغ أمة جديدة هي الأمة الأميركية.إن المؤلفة ترسم في هذا الكتاب صورة مجموعة من الوجوه النسائية التاريخية الأميركية، وذلك بالاعتماد على المراسلات الخاصة للنساء المعنيات، ومن يومياتهن، ومن العديد من المصادر الأخرى. وتضم قائمة الأسماء التي تتعرض لها نساء من مختلف المهن والأوساط والمواقع الاجتماعية. هكذا نقرأ أسماء مثل ابيغيل ادامس ومارتا جيفرسون وإليزا هاملتون ودوللي ماديسون وغيرهن.
وتقدم المؤلفة أولا موجزا عن فترة تشكّل الأمة الأميركية مترافقة مع أجواء من «الأمل» في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر.
ومنذ تلك الفترة «الجنينية» كانت هناك نساء قدّمن مساهمات كبيرة على صعيد الثقافة ككاتبات ومربيات وكذلك من مختلف المواقع الأخرى التي كانت تصب كلها في المساهمة بتكوّن الأمة الأميركية.لم تكن تلك السيدات تمتلك أية سلطة رسمية، بل لم يكن يتمتعن بحق الاقتراع وبالطبع حق الترشيح .ولم تكن مؤسسة الزواج آنذاك تمنحهن قدرا كبيرا من النفوذ السياسي بصفتهن الخاصة.
لكن نفوذهن كان يأتي بالأحرى على موقعهن القريب من السلطة، وعلى رأسهن زوجات رجال السياسة مثل مارتا جيفرسون، زوجة توماس جيفرسون، الرئيس الأميركي الثالث للولايات المتحدة. لكنها لم تصبح هي نفسها «السيدة الأولى» في أميركا، ذلك أنها توفيت قبل أن يصبح زوجها رئيسا. كان والدها محاميا قدم إلى «العالم الجديد» من بريطانيا.
وكانت مارتا جيفرسون قد ساهمت بفعالية في صياغة الكثير من القناعات التي جعلت من زوجها فيما بعد أحد رؤساء الولايات المتحدة الكبار. ودوللي ماديسون كانت زوجة الرئيس الأميركي جيمس ماديسون، واشتهر عنها أنها كانت مقرّبة من أجواء الأدب والأدباء.
ومن المآثر التي تعزى إليها أنها أنقذت كنوزا من الأوراق الرسمية وصورة للرئيس جورج واشنطن عندما أبعدتها عن البيت الأبيض إلى مكان آمن قبل أن يحرقه الجيش البريطاني عام 1814.
لكن السمة العامة التي تؤكد عليها المؤلفة في دور «نساء الحرية» في التاريخ الأميركي هي أنه جرى حجب دورهن من قبل الساسة الرجال «الأكثر شهرة في أميركا والذين نطلق عليهم تسمية الآباء المؤسسين» كما تكتب المؤلفة. هؤلاء «الآباء المؤسسون» هم موضوع تكريم وتمجيد في قاعات الكونغرس أو في الحملات الانتخابية الرئاسية.
ولا تتردد المؤلفة في القول أنها اهتمّت هي نفسها طيلة ثلاثة عقود بالبحث في سيرة حياة أولئك الذين كتبوا إعلان الاستقلال بحيث أصبحوا بين «معارفها المقرّبين». لكنها انكبّت منذ عدة سنوات على الاهتمام بسيرة حياة «الأمهات المؤسسات» فكان هذا الكتاب.وتتوقف المؤلفة في هذا السياق طويلا عند شخصية «ابيغيل ادامس» التي كانت تتمتع بقدر كبير من الانفتاح الفكري .
حيث استفادت كثيرا من المكتبة التي كان يمتلكها والدها. وكانت قد تزوجت عام 1764 بجون ادامس، وارتبطت بعلاقة متينة مع مارتا واشنطن، زوجة جورج واشنطن. هذا قبل أن تصبح «السيدة الأولى» في الولايات المتحدة.وتصف المؤلفة سنوات رئاسة «جون ادامس» بشديدة الأهمية بحيث أنها بدت كـ «فترة ثورية».
ذلك خاصة على صعيد السياسات الداخلية التي تطلّبت تعاون الجميع رغم اختلافاتهم «الفلسفية والسياسية» من أجل خوض «تجربة أميركية» فريدة صعبة. ذلك أنه كان من السهل كثيرا في فترة «الآباء المؤسسين» توحيد جهود الجميع في وجه التهديد الخارجي.
لكن كان من الصعوبة أكثر مواجهة التهديدات على خلفية النزعات ذات الطابع الإقليمي، المائلة في عهد ادامس على «أمة كانت لا تزال فتيّة وهشة».وما تؤكده المؤلفة هو أنه في تلك الفترة التي كانت تسودها أجواء التوتر، مع بروز «توجهات نحو العنف» لدى الرجال، بل والاستعداد للقتل، حاولت أصوات نسائية كثيرة أن تأخذ دور «محامي الدفاع» عن صوت الحكمة والتعقل وعدم الانسياق وراء النزعات الطائشة. لقد عملن على «تبريد الأهواء المتأججة».
وتشير المؤلفة في هذا السياق، أن «نساء واشنطن» مارسن دورا اجتماعيا هاما عبر تنظيم «حفلات استقبال» كان يلتقي فيها رجال السياسة من مختلف المشارب بما في ذلك الأكثر تباينا. وما يلفت الانتباه هو أن الأقوال والشهادات التي تنقلها المؤلفة هي، «باستثناء حفنة منها»، صادرة عن نساء وموجهة إلى نساء أو تخص مواضيع لا علاقة بالنساء.
المؤلفة في سطور
تعمل كوكي روبرتس، مؤلفة هذا الكتاب، معلقة سياسية في قناة «آ.بي.سي نيوز» وفي العديد من المحطات والإذاعات. وكانت قد قامت خلال سنوات 1996-2002 بإعداد برنامج أسبوعي مع زميلها «سام دونالدسون» خاص بالمقابلات مع المشاهير وأصحاب القرار.
من كتبها: «نحن بنات أمهاتنا» الذي كان في قائمة الكتب الأكثر انتشارا لعدة أسابيع.الأمهات المؤسسات إن «الأمهات المؤسسات» قمن بأدوار «بطولية» في لحظة كان من المطلوب فيها القيام بمثل تلك المواقف من أجل المقاومة ضد الانجليز، المحتلّين، وقد قدّمن «الجهد الحربي» الضروري، ولم يتأخرن عن التضحية عندما تطلّبت المواقف ذلك.
الكتاب: سيدات الحرية
تأليف: كوكي روبرتس
الناشر: وليام مورو نيويورك 2009
الصفحات: 512 صفحة
القطع : المتوسط
Ladies of liberty
Cokie Roberts
William Morrow New York 2009
5

