منذ أكثر من 3000 سنة جذب البحر الأبيض المتوسط انتباه الفاتحين الذين أرادوا أن يصنعوا من هذا البحر أكثر من ممر للعبور بحيث يصبح بحيرة داخلية للسلام والازدهار.

مثل هذا الحلم الذي يطلق عليه جان بول غوريفتش الباحث بالعلاقات بين الشمال والجنوب «الحلم المتوسطي»، وهذا هو عنوان كتابه الأخير.إن فصول هذا الكتاب تتحدث عن أولئك الذين خامرهم «حلم المتوسط» ابتداء من «اوليس، الإغريقي المتوسطي الأول»، كما يقول عنوان أحد فصول الكتاب الأولى ووصولا إلى نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي الحالي، الذي أطلق مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط» منذ عشية انتخابه رئيسا للجمهورية الفرنسية في شهر مايو من عام 2007.وما بين اوليس الذي أراد أن يوسع ويعمم نموذج المدن اليونانية على حوض المتوسط كله، ونابليون بونابرت و«حملته المجنونة» على مصر عام 1798، حاول الرومانيون والبيزنطيون أن يعطوا هويتهم لمنطقة المتوسط كلها.

كذلك مدّ مقاتلو الإسلام حدود حضارتهم حتى الأندلس. لكن اعتبارا من القرن التاسع عشر وبداية الاستعمار الفرنسي للجزائر عام 1830 شرعت أوروبا في استعمار الشاطئ الجنوبي والشرقي للبحر الأبيض المتوسط.

وبناء على دروس التاريخ يرى المؤلف أن العلاقات بين الشمال والجنوب تمثل أحد التحديات الكبرى خلال القرن الحادي والعشرين. وكان البحر المتوسط ومنطقته عرضة لآلاف الغزوات ومحاولات مد الهيمنة. امتدت هذه الغزوات من اوليس حتى نيكولا ساركوزي مرورا بالعرب والصليبيين وغيرهم.

لكن يبقى المشروع الأوروبي-المتوسطي للرئيس ساركوزي هو الأكثر حداثة على الصعيد الزمني. تجدر الإشارة إلى أن المؤلف يكرّس لكل مشروع من مشاريع «الفتح» التي استهدفت السيطرة على حوض المتوسط أحد فصول الكتاب. ويقدّم في بداية كل فصل خارطة تبيّن المساحات المتوسطية التي كان الفاتحون قد احتلوها.

ويولي مؤلف هذا الكتاب أهمية خاصة لدراسة ما يسمى ب«مسيرة برشلونة» لعام 1995 التي أطلقت، رغم أنها تلكأت في النهاية، الحوار الحقيقي بين بلدان شمال المتوسط وبلدان جنوبه.

كما تتم الإشارة في هذا السياق إلى وجود تباينات كبيرة وكثيرة داخل الاتحاد الأوروبي حيال الاتحاد من أجل المتوسط. ففي الوقت الذي يركز عليه الرئيس الفرنسي ساركوزي كثيرا ترى المستشارة الألمانية انجيلا ميركل أنه تنبغي أن تُعطى الأولوية الأوروبية لبلدان أوروبا الشرقية والوسطى «الشيوعية سابقا».

ويركز المؤلف في بحثه حول العلاقة بين بلدان الشمال والجنوب عامة، وبين بلدان شمال المتوسط وجنوبه بشكل خاص، على وزن المسألة الديموغرافية. وبعد أن يشير إلى أنه لم يكن هناك «تاريخيا» قدر كبير من التعايش بين شاطئ البحر المتوسط، يركز على القول أن أوروبا شمال المتوسط تمر في «مرحلة شتائها» على الصعيد الديموغرافي حيث أن «أعراض الشيخوخة» بدأت تظهر بوضوح عليها.

ويتم التأكيد في هذا السياق إلى أن ظاهرة «الانحسار» الديموغرافي تمس بدرجة أقل بكثير من أوروبا بلدان جنوب المتوسط حيث يتحدث عن «الدخول في فترة التحوّل الديموغرافي».

ويشير إلى أن الاستثناءين الوحيدين الكبيرين اللذين يعرفان زيادة هامة على الصعيد السكاني هما كل من ليبيا والأراضي الفلسطينية. وبهذا المعنى يتم القول أن الهوة «الديموغرافية» بين الشمال والجنوب تتضاءل.

يضاف إلى هذا القول أن مستوى المعيشة في بلدان الجنوب يتحسّن، حتى لو أنه لا يتم توزيع عادل للثروة. وعلى هذا المستوى أيضا «تتضاءل الهوة» بين بلدان جنوب المتوسط الغنية وبلدان شمال المتوسط الفقيرة.

ويخلص المؤلف في تحليلاته إلى القول إن المشكلة الأساسية أمام مجموع المشاريع المتوسطية الشاملة تتمثل في عدم معرفتها الجيّدة للتاريخ وللجغرافيا السياسية المتوسطيين. إن التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي، بل والسياحي أيضا، يكشف عن أن المتوسط ليس مهد الديانات التوحيدية الثلاث فحسب، ولكنه أيضا «مهد الرأسمالية».

ذلك خاصة مع الدور الذي لعبته البندقية التي كانت نقطة تقاطع تجاري هام بين الشمال والجنوب وعرفت كيف تقيم علاقات وديّة مع بلدان الشاطئ الجنوبي للمتوسط.

المؤلف في سطور

مهنة جان بول غوريفتش، مؤلف هذا الكتاب، هي الاستشارات الدولية حول المسائل الديموغرافية، وهو أخصائي بالعلاقات بين الشمال والجنوب. قدّم العديد من الكتب في عدادها: «فرنسا في إفريقيا» و«الأفارقة في فرنسا» و«الهجرة نعمة أو نقمة؟»..

الكتاب: الحلم المتوسطي، من اوليس إلى نيكولا ساركوزي

تأليف: جان بول غوريفتش

الناشر: لوفر باريس 2009

الصفحات: 316 صفحة

القطع: المتوسط

Le rêve méditerranéen, d'Ulysse à Nicolas Sarkozy

Jean-Paul Gourévitch

Edition de l'uvre

Paris 2009

316P.