بعد وفاة القائد الفلسطيني ياسر عرفات قررت ايزابيل بيزانو التي عملت لسنوات مراسلة حربية لعدة قنوات تلفزيونية وصحف أوروبية أن تكتب عن العديد من المحطات الأساسية في حياة أبو عمار اعتمادا على تجربتها الشخصية أولا.

وعلى الكم الكبير من الوثائق المتوفرة عنه، فكان كتاب «ياسر عرفات، من القلب» الذي صدر للمرة الأولى باللغة الاسبانية عام 2006 باللغة الاسبانية عام 2006 تحت عنوان: «ياسر عرفات، هوى قائد» ثم أعادت النظر فيه على ضوء المستجدات وأضافت الكثير عليه ليخرج بنسخته الفرنسية في شهر أكتوبر 2009.إن المؤلفة تجد مادتها الأساسية التي صاغت انطلاقا منها صورة «ياسر عرفات، من القلب» في العديد من المقابلات التي كانت أجرتها معه اعتبارا من بداية عام 1991، بعد أن كانت حضرت عدة مؤتمرات صحفية عقدها في بغداد وقبل اندلاع حرب الخليج الأولى.وتصف المؤلفة، فترة ما قبل تلك الحرب أنها كانت من بين الأكثر قسوة التي عرفتها مسيرة حياة ياسر عرفات. ففي تلك الفترة، وباَلإضافة إلى طول الحرب التي كانت تدق، فقد أبو عمار رفيق نضاله وصديق عمره صلاح خلف، أبو إياد الذي اغتيل في تونس في يناير 1991، أي قبل انطلاق حرب الخليج الأولى بأيام قليلة.

ولعلّ الميزة الأساسية في هذا الكتاب أنه «سيرة حياة شخصية وحرة تقدم صورة أخرى لياسر عرفات»، كما يقول طارق رمضان في مقدمته التي كتبها لهذه النسخة الفرنسية.

وأضاف: «هذا كتاب مفيد لهذا السبب أولا، ولكن أيضا كون أنه يذكّر بالأكاذيب وأشكال الرياء التي لا تزال تحيط بالنضال المشروع والكريم للشعب الفلسطيني».وتبدأ المؤلفة الحديث عن أبو عمار انطلاقا من النهاية، حيث تتحدث في الصفحات الأولى عن «موت الزعيم» ولا تتردد في القول:

«لقد عشت فترة احتضاره الطويلة مثل كابوس حقيقي». وتشير أنه عندما كان في مستشفى «بيرسي» العسكري بضاحية كلامار بالقرب من باريس طلبت من نبيل معروف، السفير الفلسطيني في مدريد آنذاك إذا كانت تستطيع مرافقتهم لرؤية أبو عمار» وكانت الإجابة بنعم، لكن كان الوقت قد تأخر كثيرا إذ لم تتأخر وكالات الأنباء عن التأكيد أنه في حالة ميئوسا منها وأن نهايته غدة قريبة.

وتشير المؤلفة أنه في المرة الأولى التي حضرت مؤتمرا صحفيا للقائد الفلسطيني الراحل، ثبّت نظره فيها دون الجميع وكأنها هي الوحيدة التي يتحدث إليها. لقد فهمت فيما أن السبب هو أنه تشبه كثيرا «ندى يشرطي»، تلك الفتاة الفلسطينية التي كانت المرأة الوحيدة التي أحبها، واغتالها الموساد أما منزلها في بيروت.

وتذكّر المؤلف أنها طلبت من أبو عمار مساعدتها للفوز بلقاء مع الرئيس العراقي صدام حسين أثناء حرب الخليج الأولى وعدها أنه سوف يفعل ذلك. فكان جوابها أنها تقدمت نحوه عفويا، وعانقته. فقال لها ملاطفا: «هل تتزوجينني»؟ وعندما أخبرته أنها قد تصّدق ذلك، أضاف: «ماذا ستفعلين بالزواج من عجوز مثلي لم يحب طيلة حياته، باستثنائك، سوى امرأة واحدة هي فلسطين».

ومن الميزات التي تؤكد عليها المؤلف في شخصية أبو عمار أنه كان قائدا باستمرار وأنه كان شديد الكرم في علاقاته مع الآخرين. وتنقل عن أخته السيدة إنعام عرفات قولها: «لقد أراد أبو عمار أن يكون هو الرئيس طيلة حياته (...). وكان يعطي أوامر للأطفال الآخرين. وكان يتقاسم كل شيء معهم ولم يكن يفكّر أبدا بنفسه.

وذات يوم اشتريت ثيابا جديدة له ولأخيه فتحي. لقد غضب ياسر عرفات ورفض رفضا قاطعا أن يلبسها طالما أن جميع أطفال الحي الفقراء لا يمتلكون ثيابا جديدة. وقد كرر السلوك نفسه حيال الحذاء الجديد.

ومن أهم المواقف التي تشير إليها المؤلفة هو أنه أعلن وبعد شهر واحد من هزيمة يونيو 1967 أن «الفلسطينيين سيتابعون الحرب ضد إسرائيل».

ومن الوقفات الكبرى في حياة ياسر عرفات النضالية ذلك الموقف الذي اتخذته بصدد معركة الكرامة. ذلك أن الإسرائيليين كانوا يشدون بوضوح قوات كبيرة مقابل تلك البلدة، الكرامة، وعُرض عليه آنذاك من قبل السلطات الأردنية الالتجاء مع قواته القليلة إلى الهضاب المجاورة.

لكن إجابة ابو عمار كانت حاسمة وقاطعة ومفادها أن الأمة العربية لا تفعل سوى التراجع والهرب ولكن الفلسطينيين لن يفعلوا ذلك في الكرامة بل سيقاومون الإسرائيليين بحيث تكون نهاية المعركة هي قبرهم أو التأكيد للجميع أن المقاومة الفلسطينية، رغم أنها كانت لا تزال فتيّة ولا تمتلك سوى على القليل من العتاد قادرة على المقاومة.

والصورة التي ترسمها المؤلفة في المحصلة للرئيس الفلسطيني هي أنه كان رجلا وحيدا ومعتزّا بنفسه وحازما في التزامه مع التمتع بحس سياسي مرهف.

لكنه عرف الكثير من الحزن عندما فقد رفاق دربه واحدا بعد الآخر على يد أجهزة الموساد وعملائها.وكتاب يسمح بالاقتراب أكثر من حقيقة الإنسان الذي كان يعيش في أعماق ياسر عرفات وفيما وراء جميع المواجهات التي كان يراه فيها العالم أو التي أراد البعض أن يقدّموه إلى العالم من خلالها.

المؤلفة في سطور

ايزابيل بيزانو من مواليد الاورغواي، لكنها اسبانية الانتماء بالتبنّي. عملت لسنوات في حقل السينما ثم تحوّلت إلى العمل كمراسلة حربية لعدة وسائل إعلام في مقدمتها الـ «راي» والقناة التلفزيونية الخامسة في إيطاليا وصحيفة «لوموندو» الاسبانية. لها عدة مؤلفات.

الكتاب: ياسر عرفاتمن القلب: هوى فلسطين

تأليف: ايزابيل بيزانو

الناشر: تيميلي، دوميلون جنيف باريس 2009

الصفحات: 327 صفحة

القطع: المتوسط

Yasser Arafat, intime. La passion de la Palestine

Isabel Pisano

Timeli, Demi-lune- Genève - Paris 2009

Genèv