أجرت مجلة «تروسلانت» الثقافية الإلكترونية هذا الحوار مع الروائي والشاعر والسينمائي والمترجم الأميركي بول أوستر مع صدور روايته الخامسة عشرة بعنوان «الخفي»، حيث ألقى الضوء على ما تعنيه الرواية بالنسبة له، مشيراً إلى أنها دفق ينبع من المجهول فلا يملك المؤلف إلا أن يتابعه، وانتقد الحروب التي تحيط بالعالم اليوم، معرباً عن اعتقاده بأن عنف الحروب الإمبريالية يمزق نسيج المجتمع الذي يشنها. وفيما يلي نص المقابلة:
لماذا اخترت مرحلة حرب فيتنام لتستهل روايتك «الخفي» بها؟
لا يمكنني أبدا الحديث عن «لماذا» فيما يتعلق بأي شيء أقوم به، وأحسب بمقدوري أن أقول «كيف» و«متى» و«ماذا»، ولكن «لماذا» هو شيء يستعصي على الاختراق بالنسبة لي.
والروايات تنبعث من المجهول، وإذا أشعرتك بأنها جارفة فإنك تتابعها، وتتركها تتوالى في أعماقك وتتابع إلى أين ستمضي وهذه الرواية كانت فاتنة بالنسبة لي. وأحسب أنني كنت مهتما باستكشاف الشباب مجدداً، فكتبي الثلاثة السابقة كلها كانت تدور حول كبار السن، وقد حدثت نفسي بأنني ربما استكشفت هذه الشريحة العمرية بما فيه الكفاية لبعض الوقت.
لكتابك الأخير صلة وثيقة بالحرب.
نعم.
والحرب تلعب دوراً في رواية «الخفي» أيضاً
نعم
كيف انتهت الحرب بأن تكون جزءاً من عملية الكتابة لديك؟
إن الحرب تحيط بنا الآن. أليس كذلك؟
ونحن منغمسون فيها للغاية بحيث أنه من المتعذر التفكير في أي شيء آخر، لقد أمضينا في العراق وقتاً أطول من الوقت الذي خضنا فيه غمار القتال في الحرب العالمية الثانية، وكان ذلك النوع نفسه من الكوارث على نطاق أصغر مما كانت عليه الحرب في فيتنام.
والآن هناك أفغانستان، التي لا تبتعد عنا أبداً. وكل شخص يبدو أنه يحاول نسف الجميع على امتداد العالم، وكل يوم عندما أفتح الصحيفة أجد شخصاً يطلق النار على شخص آخر، أو يهدد بالقيام بذلك.
وفي رواية «الخفي» أتحدث عن فيتنام. ومن الصعب إيضاح ما فعلته تلك الحرب بالمجتمع الأميركي، وكيف أنها مزقتنا إربا. ولست أظننا قد تعافينا منها، وتبدو حقيقة أننا كان بمقدورنا الذهاب إلى العراق من دون سبب واضح شيئاً مأساوياً بصورة مضاعفة، لأننا لم نتعلم دروسنا. فمثل هذه الحرب ليس لها نهاية إلا الإذلال، الهزيمة ومصرع أعداد هائلة من الأبرياء.
لقد مضيت ألطم رأسي في الحائط من جراء الإحباط. وبورن في رواية «الخفي» هو رجل فرنسي عايش الإخفاقات الفرنسية، في الجزائر والهند الصينية التي أصبحت فيتنام بالنسبة لنا، وهذان الأمران دمرا فرنسا أيضاً، فهي لم تعد إلى نفسها قط. إن عنف الحروب الإمبريالية يمزق نسيج المجتمع الذي يشنها، وكتاباي الأخيران كلاهما يستكشفان هذه الحقيقة.
في عالمك الروائي نجد دوماً قصة تقف إلى جوار قصة وتلك بدورها تقف إلى جوار قصة ثالثة. هل يمكن أن يستمر ذلك بصورة لا متناهية؟
أعتقد أنني في كتابي السابق «رجل في الظلام» خضت غمار أعظم مخاطرة قُدِّر لي خوضها فيما يتعلق بالبنية السردية، ففي الثلثين الأولين من الكتاب نجد «بريل» وحيداً في غرفته عاكفاً على التفكير في قصته، ثم يصل إلى نهاية ذلك، ويشرع في التفكير في أمور أخرى وفجأة هناك طرقة على الباب، وتدخل حفيدته.
وعند هذه النقطة تقوم بانعطافة حادة تماما إلى شيء آخر، حيث تنعطف إلى زواج «بريل» وقصة جدة «كاتيا». وقد بدا ذلك مناسباً بالنسبة لي، ولا يمكنني تبريره بأي طريقة، ولكنه ماثل هناك، إنه منهاج غير تقليدي.
إنك تكتب عن العديد من وجهات النظر في رواية «الخفي»، فهل تتواصل على نحو أكبر مع أي شخصيات محددة بينما أنت عاكف على الكتابة؟
الأمر الطريف هو أنني أشعر بأنني قريب من كل شخصياتي، وبأنني ماثل على عمق كبير فيها جميعها. وليس بمقدوري وصف مدى عمق حبي لها جميعها، حتى الشخصيات المقيتة، مثل «بورن»، فقد شعرت بالقرب منه أيضاً. وبطريقة طريفة، فإن مشاعري كانت أكثر رقة حيال مارجو، مارجو الضائعة والحائرة.
إن قصة مارجو هي قصة حزينة تماماً.
حزينة بصورة فظيعة، ولكن هناك سيسيل أيضاً، الفتاة الذكية المرحة التي تتحول إلى مثقفة ثقيلة العيار.
«الخفي» هي روايتك الخامسة عشرة، وقد قلت إنك أكملت لتوك رواية أخرى. على امتداد وقت كتابتك لهاتين الروايتين هل تغير منهاجك؟
هل هناك أي نوع من الاختلاف الملحوظ في الطريقة التي تبدأ أو تنتهي بها؟
لقد تغيرت الأمور بالنسبة لي في السنوات القليلة الماضية. وعلى امتداد وقت طويل كان لدي مخزون من الأفكار، لذا فإنني عندما كنت أكتب رواية كنت أعرف تمام المعرفة ما الذي ستكون عليه الرواية التالية.
وغالبا ما كنت أفكر في الرواية التالية فيما أنا عاكف على تأليف كتاب. ومن الصعب للغاية أن أفسر كيف أن كتابة الرواية يمكن أن تكون شيئاً استحواذيا، وكيف يمكن أن يسيطر على كل أفكارك خلال ساعات يقظتك.
وأنا أومن إلى حد كبير باللاوعي. وعندما أتوقف عن العمل في يوم ما، فإنني أحاول تنحية الكتابة عن ذهني، وهذا أمر ليس من السهل القيام به. ومنطقة الخطر، أو اللحظة الأكثر تعرضاً للمخاطرة، هي الرقاد في الفراش قبيل الاستغراق في النعاس. وعلى امتداد سنوات كنت أحدث نفسي: «ابعد الكتاب عن ذهنك، وفكر في الكتاب التالي!».
وهكذا كنت أفكر في القصة التالية أو الكتاب التالي. وقد عملت بهذه الطريقة حتى روايتي «حماقات بروكلين»، وكنت أعرف بشكل أو بآخر، ما الذي أردت أن يكون عليه كتابي التالي، ثم فجأة غدت أدراج مكتبي خاوية. ومنذ ذلك الحين قمت بتأليف أربعة كتب، كتابين قصيرين، وكتابين أطول، مع فترات انقطاع بين الانتهاء من كتاب وبدء كتاب آخر.
وأعتقد أنه بعد الانتهاء من تأليف «الخفي» أمضيت ستة أو سبعة أشهر قبل البدء في تأليف الكتاب الجديد. وكل كتاب من هذه الكتب الأربعة جرى تأليفه في اندفاعة سريعة.
حقاً؟
في غضون أشهر، بينما في الماضي كان تأليف كتاب يستغرق مني عامين أو ثلاثة أعوام. ورواية «الخفي» تم تأليفها في ستة أشهر.
وماذا عن كتابك الجديد؟
هذا الكتاب المقبل تم تأليفه في ستة أشهر، والكتابان يقع كل منهما في ثلاثمئة صفحة. ولست أدرك جلية الأمر، حيث يبدو أن إنتاجي اليوم قد زاد، ولكن أوقات جمودي قد زادت بالمثل. وهذه الامتدادات من البطالة ليست مما يدخل السعادة على نفسي. وأنا أحاول الاسترخاء، ولكنني لا أريد مواصلة ذلك وقتاً أكبر مما ينبغي.
سؤال أخير عن رواية «الخفي». إن العنوان ليس بالشيء الذي يبدو للقارئ للوهلة الأولى شديد الارتباط بالمادة الموجودة في الكتاب. والاتصال موجود، لكنه ليس واضحاً، فمن أين جاء؟
أعتقد أنني قد استخدمت كلمة «خفي» مرات عدة في الكتاب، وبصورة واعية على الدوام. والمرة الأولى هي عندما أصف وجه «بورن». لقد قال: «إنه من نوعية الوجوه التي تصبح خفيفة في أي زحام»، وهو يتحدث عن المسحوقين في أميركا، وبصفة خاصة عن السود الفقراء باعتبارهم أناسا خفيين.
وعندما يعود «فريمان» بالطائرة إلى بيته في نيويورك قادما من كاليفورنيا تحت جنح الظلام فإنه يقول: «هناك أميركا خفية تحتي». وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب عندما تهبط «سيسيل» التل نجدها تسمع شيئاً ما، لكنها لا تراه، ولأنها لا تستطيع أن تراه، فليست لديها فكرة عما تسمعه.
وأعتقد أنه بمعنى من المعاني تلك هي الطريقة التي ينطلق بها الكتاب، فنحن نسمع أشياء، ولكننا لا نستطيع مشاهدتها على الدوام، أو حتى إذا رأيناها، فإننا لسنا على يقين من أننا نراها على الوجه الصحيح، ومن هنا يأتي عنوان «الخفي».
المؤلف في سطور
وُلد الروائي والشاعر والسينمائي والمترجم الأميركي بول أوستر في 3 فبراير 1947 في نيو آرك بولاية نيوجيرسي، وحصل على درجتي البكالوريوس والماجستير من جامعة كولومبيا نيويورك، وأمضى عدة سنوات في فرنسا أتاحت له أن يترجم العديد من الأعمال وخاصة الشعرية من وإلى الفرنسية، وحقق نجاحاً مدوياً عبر ثلاثيته الشهيرة «ثلاثية نيويورك» التي تضم روايات «مدينة الزجاج» و«الأشباح» و«الغرفة الموصدة» ووصلت مساهماته إلى خمس عشرة رواية بروايته الصادرة مؤخراً بعنوان «الخفي».
وتألق في عالم السينما بسيناريوهاته وإخراجه لأفلام منها «الدخان» و«لوليتا على الجسر». وحصل على جائزة «إندبندنت سبرت» عن دخان عام 1996.
منى مدكور
