في روايات الروائي الأميركي بول أوستر تكمن الحقيقة، كائنة ما كانت في مكان ما في الفضاءات بين الكلمات، وفي روايته الخامسة عشرة الصادرة أخيرا، نجد أن هذه الفضاءات رحبة على نحو غير مألوف. وتأخذ الرواية قالب المذكرات المقسمة إلى شذرات.
يبدو الجزء الأول الذي يحمل عنوان «الربيع» صورة تقليدية تروي على لسان المتكلم، وهو في هذه الحالة آدم ووكر الشاعر الأميركي والنشط في مجال الحقوق المدنية، عن مقابلة غيرت مجرى حياته.في عام 1967، كان ووكر طالباً في السنة الثانية من دراسته في جامعة كولومبيا، وفي إحدى الحفلات يلتقي رودلف بورن، وهو استاذ زائر فرنسي جاء لإلقاء محاضرات في كلية الشؤون الدولية بالجامعة وصديقته الفرنسية مارجو، التي تعد تجسيداً صامتاً للأناقة الوجودية.ينطلق التعارف سريعاً، وفي اللقاء الأول يتنبأ بورن بأن ووكر سيكتب سيرة حياته، وفي لقائهما التالي يقترح تمويل مجلة أدبية يتولى ووكر رئاسة تحريرها، ويغدو عنصر قوى من أداء الألعاب جلياً في الطريقة التي يدير بها بورن العلاقة الثلاثية التي تضمه مع ووكر ومارجو، والتي يقاطعها عمل من أعمال العنف المتطرف يرتكبه بورن ويشهده ووكر.
تفصل هذه زمنية امتدادها 38 عاماً بين الجزء الأول والجزء الثاني، حيث يلتقط القصة جيم، صديق ووكر وزميله القديم في كولمبيا، والذي يتلقى ذات يوم رزمة، تتضمن النص الذي قرأناه ورسالة من ووكر، يوضح فيها أنه يحتضر بفعل سرطان الدم، ويسأل جيم النصح فيما يتعلق بمذكراته، ويتم ترتيب لقاء بين الصديقين القديمين، وفي غضون ذلك يبعث ووكر إلى جيم بمسودة الجزء التالي من كتابه، والذي يحمل عنوان الصيف، والمكتوب بالضمير الثاني.
هذا الجزء هو صورة لصيف 1967، الذي يمضيه ووكر في نيويورك، حيث يقطن شقة مع أخته جوين، قبل حصوله على منحة دراسية في الخريف في باريس، حيث يحدثنا ووكر عن طفولته وموت أخيه الأصغر في حادثة وصلته بأخته في صدر العمر.
في الجزء الثالث، الذي يحمل عنوان «الخريف» يصبح جيم محرراً لكتابات ووكر، ويحول نصه الغائب، حيث يصل ووكر إلى باريس ويستأنف صلته بمارجو، وعقب ذلك يلتقي مجددا ببورن، وكنتيجة لذلك تطرأ له «خطة شيطانية»، هي طريقة للانتقام من بورن على فعلته العنيفة في نيويورك، حيث يعتزم بورن الزواج من أرملة تدعى هيلين جوين، وخطة ووكر هي الارتباط بهيلين وابنتها سيسيل وإبلاغهما بماضي بورن الدموي، ولكن براعة بورن تكفل بانقلاب انتقام ووكر عليه.
وفي الجزء الختامي تروي الشخصيات في نص ووكر صياغاتها الخاصة للقصة، حيث نجد أن سيسيل التي أصبحت الآن باحثة أدبية في منتصف العمر تبعث إلى جيم بمخطوط من إبداعها تصف فيه زيارة إلى بورن مثيرة للقلق، وقد غدا الآن يقيم في جزيرة نائية في البحر الكاريبي. وخلال الزيارة يقترح أن تصبح محررة مذكراته، وهو الاقتراح نفسه الذي طرحه قبل أربعة عقود على ووكر، وعندما ترفض اقتراحه يكشف عن جانب بشع أخير، وسرعان ما تغادر سيسيل الجزيرة.
هذه الرواية هي في جوهرها رواية الحب، على الرغم من أن الحب فيها خفي دوماً، ومؤلفها يشدد على أن ما ننظر إليه على أنه العالم الحقيقي ليس العالم الذي يعني معظمنا، وهو جوهر حياتنا الذي يتشكل في عالم خفي.
وعلى الرغم من أن كلانسي مارتن لاي تردد، في مقال مطول في صحيفة «نيوويرك تايمز» في وصف «الخفي» بأنها أروع رواية قام بول أوستر بتأليفها حتى الآن، وأن القارئ لابد له من أن يقع في حبها يقيناً وهي أوصاف ترددت أصداؤها في مقالات عديدة مماثلة تناولت الرواية، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يحجب عن عيوننا ما يشوب هذه الرواية من عيوب.
ربما كان أول ما يلفت نظرنا من عيوب هذه الرواية الطابع السلبي للغاية الذي تتسم به الشخصيات النسائية على امتداد العمل، وهو أمر يبدو لنا شديد الغرابة حقاً، في عمل وجدنا أن جوهره يدور حول الحب.
واللغز الحقيقي لهذه الرواية هو ما إذا كانت طروحاتها حول الهوية، وتصور الذات تشكل بحثاً فلسفياً جاداً أم أنها لا تعدو أن تكون مجرد حشد من التفاصيل الزخرفية.
ورواية «الخفي» تحقق نجاحاً لا موضع لإنكاره كعمل مسل، إذا كان هذا هو ما ينشده القارئ منها حقاً، ولكن فيما المرء يقلب الصفحات الأخيرة من الرواية ويجد أن بريق نثر أوستر يأخذ في الانحسار، فإنه يساوره الشعور بأن هذه الرحلة الممتدة قد أوصلته في نهاية المطاف إلى نفق مسدود.
ربما لهذا، على وجه الدقة، ليس من الغريب أن نجد جوانا بريسكو في مقال لها عن الرواية تحرص على الإشارة إلى أن بول أوستر قدم ما يمكن أن يكون عالماً روائياً يحيل إلى أوستر ذاته على امتداد عقود منذ بدأ مسيرته كروائي بثلاثيته الشهيرة «ثلاثية نيويورك»، وهي تقول على صفحات «غارديان» اللندنية إن أوستر يبدو في هذه الرواية كما لو كان يحتفي بأعماله ويسخر منها في آن.
وعلى الرغم من أننا سنجد في عرضين للرواية في مجلتين، هما «كيركوس» و«ببلشرز ويكلي» مقارنة بين رواية «الخفي» ورواية جوزيف كونراد «قلب الظلام»، إلا أن مثل هذه المقارنة تبدو لنا رمية بلارام، وشيئاً يصعب حمله على محمل الجد، وليس من قبيل الصدفة أن يبادر أوستر نفسه في معرض التعقيب على هذه المقارنة إلى القول إنه لم يكن يفكر في كونراد على وجه اليقين لدى قيامه بتأليف روايته.
أخيراً، يبقى من المهم أن نشير إلى أنه على الرغم من أن أوستر قدراكم على مدار العقود الماضية خمس عشرة رواية، بالإضافة إلى أشعاره والكتب التي تضم مقالاته وسيناريوهاته، فإنه من هذا كله لم يترجم إلى اللغة العربية إلا عملين من أعماله، هما «ثلاثية نيويورك» و«بلاد الأشياء الأخيرة»، الأمر الذي يشكل دعوة للمترجمين العرب إلى معاودة الاهتمام بمجمل منجزاته وتقديم أكثرها قيمة للقراء العرب بلغتهم.
الكتاب: الخفي
تأليف: بول أوستر
الناشر: هنري هولت
الصفحات: 320 صفحة
القطع : المتوسط

