يعاني الموال من الخلط بينه وبين عدد من الأنماط المقاربة من نصوص القص الغنائي الشعبي، حين تلتبس تلك الأشكال على جل الباحثين من حيث الماهية والمهمة والأداة والمؤدى والأداء، الأمر الذي دفع الباحث د. محمد حسن هلال في كتابه «الخطاب الأدبي للموال القصصي.. دراسة ميدانية» إلى معالجة الفروق الواضحة بين تلك الأنماط الأدبية الشعبية في دراسة مستقلة.
وكذلك التمييز بين البناء الشكلي في تلك الدراسة المشار إليها، وقد رصد الباحث ـ لأسباب منهجية وتطبيقية ـ في هذه الدراسة السياق الأدبي لحقل فن الموال «الغنائي والقصصي» وما يسود هذا السياق من مراسم وقواعد وتقاليد، وما يتخلل هذا السياق الأدبي من ادعاء ومزاعم وانتحال للنصوص فيما بين المبدعين أنفسهم، وهو ما يعرف باسم «تجارة الفن».وقد ترتب على النفاذ إلى ذلك العالم، وما حوله من ركام كثيف، اكتشاف (المؤلف المحترف) لنصوص الموال القصصي، ذلك الطرف الأساسي الذي عانى ، ولا يزال من التهميش والإهمال، حيث لم تلق عليه الدراسات السابقة أية إشارة تذكر، بل لم نلتفت إلى وجوده أصلاً، مثلما لم ينل حقه من الشهرة والذيوع في عالم الفن الذي يبدعه، بل إنه يعد حجر الزاوية في إنتاج ذلك النمط الأدبي الشعبي.
كذلك حاول الباحث الكشف عن المصادر المتعددة لمادة الموال القصصي «ميدان ـ مدونات ـ شرائط كاسيت ـ وثائق الرواة ـ مراجع ـ أرشيفات.. إلخ» ورأى أن الموال القصصي نمط فني شعبي يصور الجرائم ويطرح القضايا والمشكلات الاجتماعية ذات الصدى العام في إطار قوالب الموال المتنوعة، كما أنه يعد من وسائل الضبط الاجتماعي في البيئات المختلفة، حيث يقدم النص رؤية المؤلف لأسباب الانحراف عن السلوك العام .
والبحث قسمان الأول (مقدمة شارحة) وثلاثة فصول، بينما احتوى الثاني «الملاحق والمختارات»، وقد اشتمل القسم الأول «الموال القصصي والميدان»، حيث تعرض الباحث بالتحليل لجذور هذا الفن المعروفة باسم (المواليا) إضافة لرصد ما كتب حول الموال القصصي في مصر أو عنه في تسلسل زمني.وقد استعرض الباحث الجذور في هذا الفن والمعروفة باسم المواليا وذلك لتبين موقع دراسته من هذا الفن، وموقع «المواليا» من «فن الموال» بدءاً من الدراسات المبكرة لهذا الفن حتى آخر دراسة قدمت حوله.
وقد رتبت هذه الدراسات وفقاً لتسلسلها الزمني للدراسات السابقة عليها والإضافة التي قدمتها في سبيل تكوين صورة متكاملة وواقعية لهذا الفن.وقد حدد الفصل مصادر جمع نصوص الموال القصصي.
وهى تتمثل في أربعة مصادر هي: المكتبات الشعبية القديمة، شرائط الكاسيت التي تنتجها شركات الإنتاج الفني، الأرشيف الوطني للموسيقى والغناء، النصوص الميدانية من الرواة والمبدعين في الحفلات أو وثائق المؤلفين وغيرهم، ويمكن إجمال هذه المصادر في تيارين رئيسيين من حيث طبيعة التقديم إلى: المصدر المدون ـ المصدر الشفاهي.
وقد دار الفصل الثالث «الصورة الميدانية لسياق حفل فن الموال» حول إطار «الصورة الميدانية» منذ بدايتها حتى نهايتها، مع توضيح مراسم الحفل ومظاهر استقبال «الفنان الشعبي» وفرقته في المنطقة، مروراً بإعداد موائد الضيافة لهم وللمدعوين وغير ذلك من مظاهر تسبق وقوف المغني الشعبي مع فرقته أمام الجمهور.
وقد رصدت الصورة استجابات الجمهور منذ (موال الافتتاح) حتى الاندماج مع الموسيقى والألحان.. وكذلك إعداد الجمهور لـ (أوراق التحية) ليقرأها الفنان الشعبي على جمهوره، حتى يتسنى له أن يشكل عليها فوراً ما يسمى (موال التماسي والتحية) الذي يتفق في نهايته مع (خارجة) تتفق مع اسم صاحب التحية رداً على نقطته وتحيته لأهل المناسبة والفنان أيضاً.
وأظهر الفصل كيف تتبادل عبارات التهاني ومواويل التحية الموقع في تسلسل مضطرد مع أشكال المواويل الغنائية التي يطلبها الجمهور، حتى يطلب المغني الشعبي الجلوس للراحة من أثر الوقوف ومطارحة المواويل حيث يجلس قريباً من الفرقة ليراقب مساعده الفني والحفل كله، بينما تقدم إليه المشروبات الساخنة أو المثلجة تبعاً لحالة الجو وفصل السنة حتى يجدد نشاطه.
كما رصد الفصل وصلة (المساعد الفني) وما يقدم فيها حتى يستريح (ريس الفن) الذي يكمل السهرة بوصلة ثانية، عبارة عن مجموعة من المواويل المختلفة ذات المضامين المتعددة بناء على طلبات الجمهور، أو حسبما استعد بها الفنان ليصفو في نهاية السهرة الجو ويخلو المكان من مشاكسات الصغار والصبية، وتكون الصدور قد امتلأت بالمواويل ويتسلطن الجمهور مع أنغام الموسيقى الشعبية وأصوات الآلات الشجية.
وبتأثير التراوح بين المقامات الموسيقية وتناول المشروبات المختلفة، ونشوة كلمات المواويل المعبرة عن الحالات النفسية والسلوكية، وبما يعرضه من نماذج وأنماط إنسانية حتى يحين موعد (الموال القصصي).
أو تقديم «القصة الشعبية» الجديدة التي يستعد لها دائماً (هواة التسجيلات) بأجهزتهم لتسجيلها، وهم لا ينسون في أثناء ذلك طلب بعض الارتجالات الفنية تبعاً للحالة الوجدانية التي يكونون عليها، حتى يختم (ريس الفن) سهرته الطويلة على النحو الذي أوضحته الصورة الميدانية.
أما القسم الثاني «الملاحق والمختارات والصور الميدانية» فيحتوى على مجموعة من الفهارس والصور الميدانية ومختارات النصوص وأغلفة الكتيبات القديمة.
حيث يعرض الملحق الأول «فهرس نصوص الموال القصصي والأنماط المقاربة المجموعة ميدانياً» مع رصد لشكل النمط وعدد الأبيات وأسماء المبدعين ويحتوي الملحق الثاني على «مختارات من نصوص الموال القصصي» في أشكاله المتعددة «الخماسي ، السباعي ، المردوف «موال الشجر» الموال القصصي الزجلى»، اشتمل الثالث على (نصوص مختارة من الأنماط الشعبية المقاربة للموال القصصي) التي تلتبس على كثير من الباحثين فيتوهمون أنها مواويل قصصية، والرابع على «الصور الفوتوغرافية لعدد من المبدعين لفن الموال في مناسباته المختلفة مع بعض طوائف الأداء».
وهى توضح مقابلات الباحث مع الرواة والمبدعين في منازلهم في الحفلات الميدانية كالأفراح والمناسبات العامة والخاصة أثناء الأداء، وفى بعض لجان التحكيم الفنية التي اشترك فيها الباحث.
وهي في حوالي خمس وسبعين صورة فوتوغرافية مختارة لبعض المبدعين والمؤلفين في الميدان على اختلاف مراتبهم الفنية، وأخيرا اشتمل الملحق الخامس على (بعض صور أغلفة كتيبات فن الموال القديمة) التي كانت منتشرة انتشاراً كبيراً في خمسينات وستينات القرن الماضي، والملاحق والمختارات والفهارس توضح جميعها بعض المصادر الميدانية التي استعان بها الباحث للحصول على مادته أو التعرف على أبعادها المترامية.
المؤلف في سطور
مدرس بقسم اللغة العربية وآدابها جامعة بني سويف، حاصل على ماجستير آداب، قسم اللغة العربية، جامعة القاهرة، وأيضا دكتوراه آداب، قسم اللغة العربية، جامعة عين شمس.
الكتاب: الخطاب الأدبي للموال القصصي.. دراسة ميدانية
المؤلف: محمد حسن هلال
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة 2009
الصفحات: 285 صفحة
القطع: المتوسط
محمد الحمامصي

