سعى كتاب «المعرفة والقوة ـ نحو طريقة علمية للهيمنة» لمؤلفه جمال مفرج، إلى توضيح كيفية نشوء العلاقة بين المعرفة والسلطة، وما هي طبيعة التداخل بين العمل الثقافي والعمل السياسي. ويبحث المؤلف عن هذا الجانب السلطوي للمعرفة في عدة مجالات معرفية منها: الاستشراق، الفقه، الثقافة، الشعر، الترجمة، الفلسفة... الخ.
ففي بحثه عن العلاقة بين الثقافة والقوة، يرصد المؤلف كيف تحولت الثقافة من مفهوم مرتبط بالتعليم والفن والتقدم إلى مفهوم مرتبط بالسياسة، ليجد أن الثقافة عند نيتشه ـ مثلاً ـ تحولت إلى نشاط يتم فيه تدجين الأقوياء والشجعان وإخضاعهم لسلطة الأقوياء، بحيث أصبحت الثقافة وليدة العنف والقمع. فالثقافة هي صناعة تقوم بتصميمها « أجهزة التسلط » لتهيمن بها على الفئات الاجتماعية الأقل قوة على الساحة الثقافية. أما بالنسبة للاستشراق، فقد تحول من محاولة لفهم الآخر إلى أداة لاستبعاده. ويستعين المؤلف بـ (إدوارد سعيد) ليبين أن الاستشراق هو محاولة «لتأويل الشرق» تقوم على العنف الخفي، الأمر الذي جعلها تخضع للتحريف والتهويل.
بحيث تم تكوين صورة عن الشرق تحقق كل المصالح السياسية والإيديولوجية للغرب. الأمر الذي جعل من الاستشراق الذراع الثقافية للإمبريالية، الذي يبرر لها كل أفعالها في الهيمنة على الشرق ونهب ثرواته.
وبذلك يتضح أن المعرفة الاستشراقية، بل المعرفة بشكل عام، معرفة غير نزيهة، ولا يمكن أن تكون في جوهرها إلا معرفة سياسية. والمعرفة السياسية، لا تهتم بالأهداف المعرفية المجردة في البحث عن الحقيقة، بل تهتم بكيفية السيطرة، والتخلص من الشعور بالخوف، وجعل الآخر شريراً لحشد أكبر قوة ضده.
فصفات الخمول والتخلف والشذوذ والعاطفة التي نسبها المستشرقون للشرق هي صفات يرغب الغرب في رؤيتها في الشرق، فهي صفات مستخرجة من عقول المستشرقين وليست مستخرجة من دراستهم لواقع الشرق.
ويرى جمال مفرج أن هذا الطابع السلطوي للفقه هو الذي أدى إلى إغلاق باب الاجتهاد في فترات متعددة، وهو الذي يفسر ظهور عدد كبير من الأحاديث غير الصحيحة والتفسيرات المبالغ فيها.
فالجمود الذي سيطر على العقيدة الإسلامية لعدة قرون، لا يعود إلى العقيدة نفسها، بل يعود إلى تحول الدين نفسه إلى أداة للسيطرة والاستقواء. بحيث حاول القائمون عليه الاستفادة من قداسته وقوته لتحقيق أهداف سياسية معينة. ولذلك فإن أهم عوامل تهدد الاجتهاد وتحول الدين إلى بناء جامد، هي الاستبداد والتقليد.
ولا يكتفي المؤلف بالبحث عن السلطة داخل الاجتهاد والاستشراق والثقافة، بل يبحث عنها حتى داخل الشعر. ويدلل على ذلك بكتاب الشعر لأرسطو، ذلك أن رفض أرسطو لأفكار أفلاطون .
وتأكيده على استقلالية الفن وضرورة أصلاح التراجيديا، لم يكن بدافع توطيد سلطة الخيال، بل كان جزءاً من برنامج سياسي ومتنفساً للكبت الاجتماعي، الأمر الذي يؤدي بالمؤلف إلى الاستنتاج بأن ترسيخ « سلطة الدولة » وليس « سلطة الخيال » هو هدف أرسطو النهائي من كتابه في الشعر، بحيث يصبح الفن في خدمة الدولة ومخرجاً للتململ الاجتماعي.
المؤلف في سطور
د. جمال مفرج، باحث ومفكر جزائري، من أهم مؤلفاته: نيتشه الفيلسوف الثائر2003، الإرادة والتأويل:تغلغل النيتشوية في الفكر العربي 2009، الفلسفة الغربية من المكاسب إلى الإخفاقات 2008، أزمة القيم من مأزق الأخلاقيات إلى جماليات الوجود 2009.
الكتاب: المعرفة والقوة ؟ نحو طريقة علمية للهيمنة
تأليف: جمال مفرج
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون منشورات الاختلاف ـ الجزائر بيروت 2009
الصفحات: 102 صفحة
القطع: المتوسط
د. رشيد الحاج صالح

