بدأ بعض الضباط الالتحاق بالثورة العربية، وإجراء الاتصالات مع الأتراك وخاصة «مصطفى كمال» الذي أحرز النصر على الفرنسيين في « كيليكيا» و«مرعش»، وكانت قد جرت اتفاقية سريّة بين الأمير فيصل ومصطفى كمال في حلب بتاريخ 16/6/1919 م.
بواسطة متصرّف الكرك أسعد بك، والتي تتضمن اعتراف الحكومة العثمانية رسمياً بتشكيل حكومة عربية مع السعي لإقامة حلف إسلامي ـ تركي، لكن الثوار صدموا، فيما بعد، حين سمعوا بوجود اتفاقية الهدنة التي وقعت في لندن بتاريخ 11/3/1921 م. بين الفرنسيين والأتراك، وتلا ذلك الاتفاقية الفرنسية التركية في 20 اكتوبر عام 1921 التي انسحبت بموجبها القوات الفرنسية من كليليكيا، مما مكّن الفرنسيين من تركيز وتكثيف قواتهم ضد الثائرين السوريين.وأمّا إبراهيم هنانو فقد كان على رأس مئات من الرجال من مسقط رأسه «كفر تخاريم» ومن القرى والقصبات المجاورة، حيث التقى بسمو الأمير ناصر ابن عمّ الأمير فيصل في قضاء المعرة، وعهد إليه بتثبيت مركز قضاء حارم، وأقام فيها حكومة عربية تدير شؤونها، ودخل انطاكية ورفع العلم العربي فوق ابنيتها، وتم ذلك في الأول من نوفمبر 1918.
ثم أعلن استقلال سوريا في 7/3/1920 م. وبايعت الملك فيصل على العرش. في صباح ذات يوم دخل إبراهيم هنانو على رئيس ديوان فيصل الأول السيد «إحسان الجابري».
وقال له : « أريد أن أجمع بعض إخواني الثوار وأمشي بهم إلى الثورة المسلحة ضد فرنسا، أريد بعض المال والسلاح أحارب به المستعمر، وذهب رئيس الديوان وعرض الأمر على الملك... فوافق عليه وتسلم إبراهيم بعض المال والسلاح وترك حلب وانطلق إلى الثورة، وكان قد شكل « جمعية الدفاع الوطني» بدعم من تجار حلب والقادة الدينيين وأعضاء المهن الحرّة.
ثم قرّر هنانو السفر على رأس وفد من الثوار إلى تركيا في 17 اغسطس 1920 م.، وقابل في مرعش صلاح الدين عادل بك قائد الفيلق الثاني التركي، ووقعت اتفاقية بين الطرفين في 7 سبتمبر 1920 م.
واتفقوا على التعامل مع هنانو كممثل عن الحكومة السورية ، ثم تبدل الموقف السياسي لصالح فرنسا، باتفاقية بينها وبين تركيا تمّت في 21/3/1921 م. ممّا أتاح لفرنسا استخدام أعداد كبيرة من الجنود ضد الثائرين.
تشكلت أوّل حضرة في كفر تخاريم، تبعتها جماعات أخرى، وتمكنت من تسليح نفسها بالقنابل والبنادق، وأمر هنانو بتوسيع رقعة عملها العسكرية، وفي كفر تخاريم تم تشكيل لجنة تشريعية قضائية رباعية مهمتها جمع المال وقد تمكنت اللجنة من جمع 500 ليرة خلال بضع ساعات.
إنّ أوّل معركة خاضها الثوار كانت معركة « المرد »، وقد زحفت القوات الفرنسية إلى « سلقين « بعد أن علمت أنّ الأموال التي كانت تجبى للضرائب قد سلمت للثوار، فارتدت القوات الفرنسية متكبدة 82 قتيلاً وأربعين بغلاً محملاً بالعتاد وعشرين رشاشاً، أسرع الأهالي بمؤازرتهم بالرجال والسلاح حتى صاروا أربعمائة مقاتل، وأصدر مفتي الثورة فتواه بالجهاد في 25 يوليو 1920 م.
في ليلة 11 - 12 يوليو 1921 م توجّه إبراهيم هنانو إلى الأردن عن طريق بادية الشام، وقبل الانتقال والحديث عن رحلة هنانو إلى الأردن واعتقاله في فلسطين ومحاكمته يقول مؤلف الكتاب :
« لم يكن توقف الثورة بالأمر اليسير على المجاهدين لكن نقص الأسلحة والذخيرة وضعف تمويل الثورة لاعتمادها على التبرعات والجبايات الداخلية فقط، بالإضافة إلى نكول تركيا من تنفيذ الاتفاقية التي عقدها هنانو مع ممثليها، ولا نغفل تجنيد فرنسا كل إمكانياتها العسكرية والسياسية للقضاء عليها.
وكذلك ضعف الخبرة العسكرية أمام الجندي الفرنسي المتدرب، واعتمادها على الفلاحين فقط». وهكذا انتهت الثورة بمعركة « دير عمار» وكانوا قد خاضوا ( 117 ) معركة مع الجيش الفرنسي.
فيما إبراهيم هنانو في القدس تقبض عليه الشرطة الإنكليزية وتسلّمه إلى الفرنسيين في بيروت ثم ينقل فيما بعد إلى حلب في سيارة مسلحة في يوليو سنة 1921 م. وتم تشكيل محكمة عسكرية خاصة، تضم ثلاثة ضباط فرنسيين واثنين من المدنيين، بدأت المحاكمة في يوليو ولم تنته قبل مضي سبعة شهور.
وقد وكل عنه المحامي فتح الله صقال الذي قدم مدافعتين : الأولى عدم صلاحية المحكمة العسكرية في محاكمته، والثانية : في حال ردّ هذا الدفاع في عدم قانونية تسليم هنانو إلى السلطة العسكرية الفرنسية. وحين طلب من هنانو الدفاع عن نفسه، قال : « أنا ثائر سياسي، أدافع عن وطني»، وحين سأله رئيس المحكمة : « من اضطرك لأن تحارب ؟» أجابه «عندما أهاجم أغدو مضطراً لأن أدافع عن نفسي». سأله رئيس المحكمة : « ومن الذي أعطاك حق التكلّم باسم هذه الأمة ؟!».
وهنا نهض شاب في الثلاثين من عمره وردّ على رئيس المحكمة : « نحن الأمة كلها أعطت إبراهيم هنانو حقّ التكلم باسمنا». وكان اسم هذا الشاب سعد الله الجابري.
قدرت الجماهير المحتشدة داخل دار الحكومة وخارجها بثلاثين ألفاً ونيف، وحين صدر الحكم ببراءته تعالت أصوات الجماهير هاتفة : « عاشت ثورة سوريا ، عاش إبراهيم هنانو».
المؤلف في سطور
فايز قوصره، ولد في إدلب سوريا ، عمل في المديرية العامة للآثار والمتاحف. عضو جمعية العاديات، له من الكتب : الرحالة في محافظة إدلب - حلب 1985، قلب لوزة 1995، من إبلا إلى إدلب ؟ حلب 2004، التاريخ الأثري للأوابد العربية الإسلامية - دمشق وزارة الثقافة 2006.
الكتاب: الثورة العربية في الشّمال السوري ثورة إبراهيم هنانو
تأليف: فايز قوصره
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2008
الصفحات : 152 صفحة
القطع: الكبيرة
فيصل خرتش

