أكثر ما يميز المعارض الجماعية، العوالم المختلفة التي يصنعها الفنانون، هذه العوالم اجتمعت في معرض الفن الهندي المعاصر الذي أقيم أخيرا في أبوظبي بعنوان «طيف» وهو يسرد تاريخ الفن الهندي منذ الاستقلال في العام 1947 حتى الوقت الحاضر.
ويحفل المعرض بأعمال أبدعها 85 فناناً، وتشمل الرسومات، المنحوتات، التركيبات الفنية، الصور الفوتوغرافية، العروض الإعلامية الجديدة، والفيديو. وقعت هذه الأعمال بأسماء فنانين أوجدوا مسارات فنية جديدة، جعل الكثير منهم يحقق وجوده في المشهد الفني العالمي. والجمال ليس كل شيء في الفن الهندي، فالفنانون يجسدون عبر وسائلهم التعبيرية الكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية. رؤية بأربعة أقسام قسم المعرض إلى أربعة أقسام وهي رؤية حديثة رائدة، إعداد نماذج مختلفة، وتحدي الحدود القائمة، وأخيرا تحديد رؤية شخصية.
أما الرؤية الحديثة فبدأت مع رواد الفن الهنود الذين تخلوا عن التقاليد الفنية التي سادت في فترة الاستعمار، ولقبوا بالجدد، لأنهم وضعوا من الفن الهندي في مرحلة جديدة.
منهم الفنان مقبول فداء حسين الذي يعتبر من أشهر فناني الهند، حتى أن مجلة «فوريس» أطلقت عليه لقب «بيكاسو الهند» بدأ حسين كرسام إعلانات الأفلام، وابتعد في أسلوبه عن الواقعية متجها إلى التأثر بالمدارس الأوروبية الحديثة مثل الانطباعية، والتعبيرية والتكعيبية، والمدرسة الوحشية.
وقدم الفنان سيد حيدر رازا الذي توجه في العام 1950 إلى باريس أعمالا إيحائية بألوان الغواش، لتتحول اهتماماته إلى الأعمال الهندسية والتجريدية، ومن ثم يتجه لعكس المشاغل الفلسفية مع البندو وهي «نقطة تمثل مركز الكون» و«الكونداليني» أي الطاقة الكامنة.
ومن فناني تلك المرحلة أكبر بادامسي الذي عرضت له لوحة «رجل بلحية»، ورام كومار الكاتب و الفنان الذي أبدى في بداية فنه تعاطفه الكبير مع الفقراء، ليقدم فيما بعد لوحات تجريدية، أما ساكتي بورمان فبقي محافظا على تلك التأثيرات القديمة للفن الهندي والأوروبي من خلال الرموز التي استخدمها في لوحته الملهمة التي رسم فيها العديد من شخصيات الأساطير، بأسلوب متناسق.
و اتخذ راجو راي التصوير الفوتوغرافي، وسيلة للتعبير وعكس من خلال أعماله التي قدمها بالأبيض والأسود، حياة الناس في الهند، والأعمال الإنسانية التي قامت بها «الأم تيريزا» ومزاجات رئيسة وزراء الهند الراحلة «أنديرا غاندي» .
وفي مجال النحت عرضت منحوتة الفنان لاكسما جود وهي وجه شبيه بالقناع يمثل آلهة شعبية، كانت تعبد أثناء المهرجانات في الهند، وهذا ما يجعل من روح الفن الهندي حاضرة في أحيان كثيرة فهما كان التأثر كبيرا لابد أن يحتفظ الفنان في ذاكرته بما يحيطه ويبدده فنا بأكثر من أسلوب.
تعابير أدبية وجمالية
يعكس جزء «إعداد نماذج مختلفة» أعمال الجيل الذي جاء بعد الفنانين الرواد، والذين استعانوا بالتعابير الأدبية والجمالية، لتجويد أساليبهم الشخصية، منهم جيف باتيل و هو شاعر وكاتب مسرحي، اتخذ من مساكين وغرباء مومباي أبطالا للوحاته، وفي المعرض ظهرت منحوتاته التي تعبر عن الأساطير القديمة مستخدما خامات متنوعة مثل التيراكوتا والبرونز والفيبرجلاس.
أما غلام محمد شيخ الفنان والرسام والكاتب والمؤرخ فقد جمع فلسفته كلها في لوحته «الشجرة المتكلمة» التي رسمها بأسلوب زخرفي ليكتشف المشاهد بين وريقاتها الكثير من العناصر مثل الأشخاص الذين يقومون بممارسات مختلفة، أو السيارات الكلاسيكية والمعاصرة، وهو ما يجمع بين القديم والحديث وكأنها شجرة ترصد تطور الإنسانية، و عرض للفنان فيفان سوندارام مجسم ثلاثي الأبعاد، صنعه من خامات مختلفة.
أما قسم «تحدي الحدود القائمة» فيمثل أعمال الفنانين الذين يستعينون بمواد مختلفة، من رسومات ومنحوتات وتركيبات فنية، وصور فنية بطريقة تعكس التطور السريع للمجتمعات، بالاستعانة بوسائل الإعلام والإلكترونيات.
منهم الفنان أنجو دودييا الذي يعد واحدا من رواد الفن المعاصر في الهند، يزواج في أعماله بين الأسطورة والتاريخ، يستخدم في أعماله فن المنمنمات و الحاكيات الشعبية، بعكس الفنان بهارتي خير الذي عرض لوحة موزاييك، موظفا تجاربه لطرح قضايا مختلفة مثل الطبقية، والمجتمع الاستهلاكي.
والثقافة التقليدية في سياقها المعاصر، بينما تطل في جهة أخرى من أروقة المعرض تماثيل رافيندر ريدي، ويمثل فيها الوجوه التي صنعها من الصلصال أو الجص المصبوب في قالب من الفايبر جلاس، ليلونها فيما بعد بألوان حارة مثل الأحمر والأزرق والذهبي.
كما يزينها بخصلات من الشعر والحلي والقلائد لتطل برؤوس كبيرة ومثيرة. ليختلف الأمر في منحوتات جيتيش كالات الذي يعتبر أحد رواد الفن المعاصر في الهند والذي قدم منحوتة كبيرة توسطت المعرض عبارة عن هيكل عظمي أحد الحيوانات، بينما عبرت الفنانة رينا سايني كالات عن فكرة الولادة والموت، والولادة الثانية والموت وجسدت ذلك بواسطة عناصر الطبيعة.
واختار شنتان أوبادياي النحت ومن خلال البرونز قدم رأسا كبيرة لطفل ولكنها رأسا مشروخة من المنتصف تاركا الحرية للمتلقي في تفسير هذا المشهد غير المألوف.
لغة خاصة
خصص الجزء الأخير من المعرض للفنانين الذين يمتلكون لغة التعبير الخاصة بهم فقط، رغم أنهم ينتمون إلى أجيال مختلفة، لكنهم يجتمعون بأنهم لا يتقيدون بأي عقيدة أو حركة فنية وجاء هذا الجزء بعنوان تحديد جمالية الشخصية.
ومنهم ديباك شيند الذي قدم أعمالا تجريدية، ومن بين عالمه اللوني الحار الذي يحتفل بالحمر والبرتقالي، يطل عالما من الوحوش في أوضاع مختلفة، بينما عادت جايشير بارمان إلى الأساطير والرموز الخرافية، وأنتجت الفنانة آلهة من ثمرة خيالها لا تتطابق مع الأعراف التقليدية، بألوان يسيطر عليها الأزرق و الأحمر، احتفاء بخصوبة الحياة.
ازدهار فني
نظم المعرض هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، بالتعاون مع السفارة الهندية، من 12 إلى 28 نوفمبر، وافتتحه نائب رئيس الهيئة المستشار زكي نسيبة.
ويكرس المعرض لسوق الفن الهندي والازدهار الذي يعكس الطفرة التي يشهدها الاقتصاد الهندي، مما غير حياة الكثيرين من الفنانين الهنود، وفتح أمامهم فرصا كثيرة، للاحتكاك بوسائل الإعلام والتعرف على الجديد في الخامات والبنية التحتية للمعارض.
عبير يونس

