ظاهرة الاستشراق في الفن التشكيلي العالمي عموماً، والفن الأوروبي خصوصاً، ليست جديدة، ولم تتوقف حتى تاريخه. فقد كان المشرق العربي، ومنذ بروز الحضارة الإسلامية وما زال، محط اهتمام عدد كبير من الفنانين التشكيليين العالميين الذين وجدوا فيه، ملاذاً آمناً لأرواحهم، ومعيناً ثراً للإلهام والإبداع، بينهم رواد وأعلام كبار أمثال: ديلاكروا، بول كلي، كاندينسكي، بيكاسو، ماتيس... وغيرهم.

بعض هؤلاء، زار البلاد العربيّة، ومكث فيها لبعض الوقت، وبعضهم الآخر، تواصل معه عبر من زارها من الفنانين والرحالين والدبلوماسيين، إما شفاهةً، أو من خلال الكتب والدراسات والأعمال الفنيّة التي وضعوها أو أنجزوها، بتأثير من هذه الرحلات والزيارات، أو من خلال الترجمات التي تمت لأمهات الكتب العربية، إلى اللغات الأوروبيّة المختلفة، لاسيما كتاب (ألف ليلة وليلة) الذي أشعل خيالات الفنانين التشكيليين والشعراء والمفكرين. ودفعهم لصوغ صور متباينة، لهذا العالم المترامي الأطراف، الغامض والمثير والساحر والذي كان ولا زال، مصدراً أساساً، للإلهام والكشف وانطلاق الروح، في فضاءات واسعة من الحرية والتجدد والنبل.

فقبل ترجمة (غالان) لكتاب ألف ليلة وليلة عام 1717، كان اهتمام الفن التشكيلي الأوروبي، يدور حول المواضيع الدينيّة، واستيحاء القديم في التراث الإغريقي والروماني، وبعض الفنون الشرقيّة، لاسيما التصوير العربي الإسلامي والفارسي والتركي والهندي أي بالمنمنمات الإسلاميّة.

بعد ترجمة (غالان) وما تلاها من ترجمات لألف ليلة وليلة، إلى اللغات الأوروبيّة المختلفة، كثرت الرسوم التزيينيّة والتوضيحيّة التي رافقت معظم طبعات هذه الترجمات، والتي وضعها مئات الرسامين والمصورين والحفارين.

ثم انتقل تأثير الليالي إلى باقي ضروب الفن التشكيلي كالنحت والخزف والإعلان والعمارة الداخليّة والرسوم المتحركة والسينما والتلفزيون، عن طريق تنامي وانتشار ظاهرة الاستشراق في الغرب، وكان لكتاب ألف ليلة وليلة، دوره الكبير في ذلك.

يقول الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة المصري الأسبق (إن مصدر إلهام الكثير من الفنانين التشكيليين الأوربيين، كان إسلامياً، كما أن عالمهم الخيالي مستمد من ألف ليلة وليلة. فقد رسم المستشرقون بعيونهم وألوانهم عري النساء في مغاطس وبرك الماء، وجلسات الصفاء والخدور والحريم... الخ).

ويضيف (رسموا هذا السحر، من عبق لم يُنسب لحكايات ألف ليلة وليلة، فقد كانت بداية الحلم، جوانب أخرى عن حياة المرأة، نقلوها إلينا، وبرزت بقوة في الليالي).

فقد تتالت قوافل الفنانين المتجهة إلى الشرق جسداً وروحاً، بدءاً من القرن الخامس عشر، مع الإيطالي (جنتيلي بلليني) ثم مع: بانتوريكو، وغوزولي، وكالو، وكارباتشيو، ودورر، وفيرونيز، وروبنز، ودولاكروا...

وانتهاءً بلانسون، وبربانشون، وغورغ، وبينون الذي أدى خدمة العلم في الجيش الفرنسي بسورية وقام بإنجاز عدد من المواضيع المحليّة فيها.

وكذلك الفنان الإنكليزي لايتون، الذي زار دمشق ورسم العديد من المواضيع فيها، وفينارد، ودوني، وأوجام، ولوت، وماتيس، وفان دونغن، وكاندينسكي، وبيكاسو، وبول كلي... وغيرهم الكثير.

يقول (بول كلي) بعد حضوره لعرس عربي في مدينة (القيروان): (إن هذا العرس هو صورة خالصة من ألف ليلة وليلة. أي شذى، أي نسيم تمتزج فيه النشوة والوعي والوضوح في وقت معاً)!!.

دمشق في أعمال فريدريك لايتون

يرجح الباحثون أن النسوة الثلاث في لوحة (بيت دمشقي) للفنان فريدريك لايتون، قد لا يكن سوريات، وإنما قام الفنان لايتون برسمهن عن موديلات انكليزيات، ألبسهن ثياباً سوريّة شعبيّة، كان قد أحضرها معه من دمشق، لكنه سبغ عليهن الطابع الشرقي، أما التصميم المعماري، والوحدات الزخرفيّة ألوانها.

وطراز النوافذ والأبواب وباقي عناصر البيت الدمشقي من الداخل، فقد نفذها الفنان نقلاً عن دراسات أخذها مباشرة عن الواقع، أثناء وجوده في دمشق، ثم قام بتوليفها مع شخوص اللوحة، لنجد أنفسنا أمام هذا العمل الفني الذي يرصد جانباً من سحر دمشق الخالد الذي لا يشيخ ولا يذبل، مهما تقادمت عليه السنون.

(شارع في دمشق) لوحة أخرى للفنان لايتون، تتألف من عناصر قليلة وبسيطة، لكنها مُنفذة بإتقان وموهبة ومعلميّة، وهذه العناصر والمفردات، كافية لوضعنا في الصورة الصحيحة، لما كانت عليه دمشق في ذلك الزمن البعيد (1873).

فهذا المعلم الأثري الناهض في الطرف اليميني من اللوحة، والسور المتلاشي في العمق، والسور الآخر الموازي، والحمار الأبيض المغمور بالبقعة الحمراء، وأطياف الشجر والنباتات الخضراء، ولون الطينة المشبع بالضوء، والسماء الفضيّة: مفردات من البيئة الدمشقيّة الحقيقيّة، برع الفنان لايتون بتصويرها، وبنوع من التلخيص والاختزال المدهش، يُخرجها من الصيغة الكلاسيكيّة التسجيليّة، ليضعها في الاتجاهات التعبيريّة الحديثة.

أبرز وأهم قيم هذه اللوحة، التماهي المدهش بين ألوان الطينة الموجودة في اللوحة، وألوان الطينة الحقيقيّة التي تُنفذ منها البيوت القديمة، وكأني بهذا الفنان الموهوب، غمس ريشته بالطينة الدمشقيّة في الواقع وقام بنقلها إلى لوحته!!.

ما أغنى هذا المشهد البصري الرائع، لون السماء الفضي المسكون بالهدوء، وتطاريز البقع الخضراء، وكومات القش، والإشارات المتقنة إلى الأبواب والنوافذ، والمعالجة المدهشة للحمار المستظل بالسور، وهذا الاستخدام الذكي للون الأبيض في اللوحة.

(تفصيل من داخل الجامع الأموي) لوحة ثالثة للفنان لايتون، وفيها يُوثّق لموجودات ومعمار وزخارف أحد أركان الجامع الأموي الكبير في دمشق، حيث يوجد المنبر وبضعة مصلين من الرجال والنساء، يرتدون اللباس الذي كان سائداً في ذلك الزمن الغابر، ما يجعل اللوحة وثيقة هامة ودقيقة لما كان عليه الجامع الأموي قبل أن يطوله الحريق في العام 1893.

ولطرز الثياب، كما يمكن اعتمادها مرجعاً للعمارة والزخارف المنفذة بمواد وخامات مختلفة، تُسعف الباحثين والمرممين في إعادتها إلى ما كانت عليه، كلما تعرضت لتلف أو أذية، لاسيما وهي منفذة بصيغة واقعيّة كلاسيكيّة رصينة، وبدقة كبيرة تضاهي ما تقوم به العدسات هذه الأيام.

تندرج هذه اللوحة، ضمن الأعمال الفنيّة الكلاسيكيّة الرفيعة، وهي غنية جداً بمفرداتها وطرزها المعماريّة والفنيّة، وبعناصرها الإنسانيّة المنتمية ـ كما يبدو ـ لطبقات اجتماعيّة متباينة، بدليل أنواع الثياب وأغطية الرأس التي ترتديها.

اللوحة بمحمولاتها، وبالدقة والإتقان الكبير التي نُفذت بهما، تُشير على أنها أنجزت على مهل، وفي محترف الفنان بلندن، بعد أن سجّل على الواقع، مجموعة من الدراسات الخطيّة واللونيّة السريعة، كما يمكن أن يكون قد أضاف بعض الشخوص الموجودة فيها، من خياله، ليربط بينها وبين عناصر اللوحة الأخرى، وليماشي ما كان سائداً في فن الاستشراق آنذاك.

يتألف تكوين لوحة لايتون الرابعة (دمشق في الليل) شبه الهرمي، من المئذنة وكتل البيوت المحيطة بها، وهذه العناصر مجتمعة، منفذة بألوان بنيّة متدرجة، تتماهى مع ألوان الطينة في الواقع، ومفروشة بلمسة ريشة عريضة وتلقائيّة مدركة تماماً لتموضعها فوق العنصر .

وفي اللوحة ككل. ولأن المشهد ليلي، فقد طغت الألوان القاتمة على عناصر اللوحة، لكن الفنان لايتون، قام بعجن هذه الألوان بالضوء القادم من نوافذ وأبواب وطاقات المنازل الهاجعة بوداعة بين أحضان الليل الدمشقي الساحر، ومن الأفق الفضي، وهو ما يوحي بأن المنظر يمثل وقت تلاشي العشيّة ودخول الليل، أو وقت انبلاج الفجر.

لايتون في سطور

فريدريك لايتون فنان تشكيلي ورحالة انكليزي. ولد عام 1830 وتوفي عام 1896. زار دمشق عام 1873 ونفذ لها عدة لوحات أشهرها لوحة (بيت دمشقي) التي يظهر فيها ثلاث نسوة. إحداهن تقوم بهز شجرة الليمون بالعصا، والثانية تفتح ثوبها الفضفاض لتتلقاها، أما الثالثة فتتأملهما باهتمام بالغ.

د. محمود شاهين