لم تحظ شخصية في العالم باهتمام وسائل الإعلام الرسمية والشعبية بقدر شخصية فيديل كاسترو، التي شكلت المادة الخام لعشرات الأفلام السينمائية الوثائقية منها والروائية على حد سواء بغض النظر عما إذا كانت تلك الأعمال السينمائية متعاطفة معه أم العكس.
صحيح أن حصة الأسد من الأعمال السينمائية التي تناولت موضوع الثورة الكوبية تذهب بالضرورة إلى الثائر العالمي تشي جيفارا، إلا أن شخصية فيديل كاسترو تحتفظ لنفسها بمكانة خاصة في هذا الميدان أيضا وتشكل في الوقت نفسه دافعا للإعجاب به وبغضه في آن بحكم عمره المديد وبقائه في السلطة لفترة طال أمدها، شكل الزعيم الثوري خلالها هدفا مرغوبا فيه لصناع لأفلام الوثائقية والروائية وشخصيته ظهرت في العديد منها وقد لعب دوره العديد من الممثلين.
ومع تدهور حالته الصحية خلال السنوات الأخيرة وصمودها في وجه مرض عضال كان لا بد من وقفة نستعرض فيها الأفلام المرتبطة بهذه الشخصية الكاريزمية، التي احتار العالم في وضع الإصبع على مفاصلها الرئيسية.
قليلون هم الأشخاص الذين يعرفون ذلك، لكن عندما كان فيديل في المكسيك أثناء منفاه الطوعي قبل الثورة الكوبية، شارك في تمثيل فيلمين مع أن مشاركته كانت قصيرة في كل منهما، الأول يحمل عنوان «عطلة في المكسيك» لجورج سيدني وهو فيلم كوميدي موسيقي يعود تاريخه إلى عام 1946 .
والذي يمثل فيه موسيقيون مثل خوسيه ايتوربي وخافيير كوغات أنفسهم وذلك عكس حالة فيديل الذي يلعب دور بسيط في شخصية ثانوية لا تظهر إلا لماما في الفيلم وذلك مثلما حصل تماما في فيلم كوميدي آخر ظهر في السنة عينها تحت عنوان «من السهل الزواج» ويشارك فيه لوتشيلي بال الذي يرى فيديل بمحاذاة بركة سباحة.
ما سبق لا يمثل كل شيء فيما يتعلق بكاسترو الممثل، لكنه كاف ليعطي فكرة من الباب الأوسع حول اهتمامه البالغ بالسينما كأحد أهم وسائل الإعلام، فراح الزعيم الكوبي، اعتباراً من عام 1959، يظهر في مقابلات أو أفلام تسجيلية تلفزيونية أو سينمائية وفي السنوات التي تلت ذلك بدأت تستخدم صورة كاسترو الأرشيفية كثيرا كما حصل في فيلم «توباز»، الذي يعود تاريخ إنتاجه إلى عام 1969 .
والذي يعد أحد أكثر الأفلام ركاكة الذي يخرجه ملك أفلام الإثارة ألفريد هتشكوك وهو من بطولة جون فورسيث وتدور أحداثه حول مكيدة جاسوسية من مكائد الحرب الباردة عموما ومحورها أزمة الصواريخ السوفييتية في كوبا على وجه الخصوص.
في سيناريو مماثل، يعود كاسترو للظهور أثناء ما عرف باسم أزمة جسر«مارييل»، حين سمحت السلطات الكوبية لعشرات الآلاف من المواطنين بمغادرة البلاد بحرا، ذلك الفصل التاريخي يوصف في بداية فيلم «الوجه المقطوع»، 1983، الذي يلعب فيه ألباتشينو دور أحد أولئك الآلاف من المجرمين الذين تركتهم الحكومة الكوبية يرحلون عن الجزيرة باتجاه الولايات المتحدة وذلك من أجل سد الطريق عليهم ومعاقبة الولايات المتحدة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن كاتب سيناريو فيلم «بريان دي بالما» هذا لم يكن سوى أوليفر ستون. كما تظهر في الفترة نفسها صورة فيديل موظفة في فيلم «قبل الغروب»، عام 2000، الذي يلعب فيه الممثل خافيير بارديم دور الشاعر والروائي الكوبي رينالدو أريناس.
كم كان من الطبيعي أن يلعب فيديل دور البطولة في عدد لا متناه من الأفلام الوثائقية المرتبطة باغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي وبكل نظريات المؤامرة الخاصة بهذا الموضوع الشائك.
ستون بالذات هو الذي وضع فيديل في قلب فيلمه الأول «جيه إف كيه»، 1991، الذي تشمل قائمة ممثليه كل من كيفن كوستنر، تومي لي جونز، كيفن باكون وغيري أولدمان من بين نجوم آخرين مهمين في هوليوود.
أوليفر ستون خطى خطوة أخرى باتجاه التعبير عن افتتانه بالزعيم الكوبي وذلك عندما أخرج عام 2003 الفيلم الوثائقي الشهير «القائد» والذي يقوم على مقابلة شخصية جمعت بين الرجلين على مدار ساعات طويلة. وبإظهاره للجانب الأكثر إنسانية في شخصية فيديل يكون ستون قد أثار حفيظة الحكومة الأميركية عموما وغضب المهجر الكوبي.
والمسألة لا تتوقف عند هذا الحد، بل إن هذا الفيلم، الذي عرض في اسبانيا قبل أي بلد آخر، لم يشاهد في الولايات المتحدة إلا في مهرجانات على غرار مهرجان«سندانس»، ذلك أنه لم يحظ حتى الآن بموزع يهتم لأمره.
في أحدث فيلم حول التاريخ الكوبي، الذي يحمل عنوان «المدينة الضائعة» يأخذ الممثل والمخرج أندي غارسيا على عاتقه مسالة عدم إبراز شخصية فيديل كاسترو، الذي يجسد دوره الممثل غونزالو مينديز. وها هي صورة فيديل تعود لتبدو مرتبطة بصورة تشي جيفارا، الشخصية التي لا تروق بدورها للكوبيين الذين يعيشون في المنفى مثل غارسيا نفسه.
يضاف إلى قائمة الأفلام التي تدور حول كاسترو فيلم «فيديل»، 2002، من إخراج ديفيد أتوود، على الرغم من أنه أعد للتلفزيون وليس للسينما، حيث يجسد دور الزعيم الكوبي ممثلون غير معروفين نسبيا هما فيكتور هوغو مارتن، الذي يلعب دور كاسترو الشاب، وهونوراتو ماغالوني، الذي يجسد دور كاسترو العجوز، بينما يظهر في دور جيفارا الممثل غايل غارسيا بيرنال، الذي لعب دور البطولة كذلك في الفيلم الشهير «مذكرات دراجة نارية».
والذي يدور حول حياة جيفارا قبل التحاقه في الثورة الكوبية. صحيح أن فيلم «فيديل» يظهر «وحشية» نظام كاسترو، إلا أنه يعرض في الوقت نفسه لجانب رقيق القلب في شخصية الزعيم الكوبي محاولا تبرير دوافعه.
في فيلم آخر حول رجل حرب العصابات جاء تحت عنوان «تشي جيفارا»،2005، من إخراج جوش إيفانس ومن بطولة إدواردو نورييغا، يجسد دور فيديل كاسترو الممثل الإيطالي إينريكو لو فيرسو.
وفي مثال آخر يعود إلى عام 2000، فإن أحداث الفيلم الكوميدي «كومباني مان» لبيتر أسكين ودوغلاس ماكغراث تدور حول أستاذ جامعي في ستينات القرن الماضي يتحول إلى جاسوس ويشترك في مؤامرة للإطاحة بفيديل كاسترو ، حيث يجسد دور الرئيس الممثل الأسترالي أنتوني لاباغليا.
في عام 1969، ظهر فيلم «تشي»، الذي يروي قصة الثائر الأرجنتيني ارتباطا بزعيمه، وإذا اختيار عمر الشريف في دور البطولة الأكثر ليس موفقا إلى حد ما، فإن إعطاء جاك بالانس دور فيديل كاسترو قد قزم الفيلم وجعله أقرب إلى السخرية، والسؤال المطروح هنا هو: هل كانت تلك نية المخرج ريتشارد فليشر؟
عام 2005 شهد عرضا محدودا لفيلم كوميدي حقيقي صنعه كوبيون أميركيون بميزانية متواضعة كثيرا تحت عنوان «تحليق إلى الحرية: الوجه الجديد للإرهاب» حيث أسند دور فيديل كاسترو للمثل الكوميدي أرماندو روبلان.
وهو شخصية مثيرة للجدل من المهجر الكوبي والذي ظهر في العديد من البرامج التلفزيونية، وتقوم حبكة هذا الفيلم على قصة شاب يهرب من كوبا بالطائرة للقاء ابنه في ميامي، لكن الطائرة، التي تغص بعملاء أمن الدولة، يقودها فيديل كاسترو نفسه.
فيديل كاسترو في سطور
ولد فيدل كاسترو عام 1926 لعائلة شبه إقطاعية ، لكنه تمرد منذ صغره على حالة الترف التي كان يعيشها بعد أن أدرك التناقض الكبير بين رغد العيش في أحضان عائلته وبين قسوة العيش والفقر في مجتمعه.
حمل السلاح ضد الرئيس فالجنسيو باتسيتا عام 1953 إلا أن محاولته أحبطت وسجن مع شقيقه راؤول. وبعد عامين صدر عفو عن كاسترو الذي واصل حملته لإنهاء حكم باتسيتا من المنفى في المكسيك وتمكنت قواته الثورية عام 1959 من الإطاحة بنظام باتسيتا.
تسلم كاسترو سدة الحكم جاعلا من كوبا أول بلد شيوعي في العالم الغربي، ما أثار حفيظة واشنطن التي لم تتوقف محاولاتها للإطاحة به وحتى اغتياله منذ الستينات.
تنحى كاسترو عن الحكم لصالح شقيقه راؤول عام 2006 إثر مرض عضال، لكنه لا يزال ناشطا وهو يكتب مقالة سياسية شبه يومية.
أبقى كاسترو حياته الشخصية طي الكتمان ، لكن من المعروف أنه تزوج عام 1948 من ميرتا دياز بالارت، التي أنجبت له ابنه الأول فيديليتو.
عام 1952 التقى كاسترو ناتي ريفيلتا وأنجبت له عام 1956ابنته ألينا، وفي عام 1957 التقى سيليا سانشيز التي تعتبر رفيقة دربه الأولى وعاشت معه إلى أن توفيت عام 1980. وفي الثمانينات تزوج كاسترو من داليا سوتو ديل فال، التي أنجبت له 5 أبناء.
باسل أبو حمدة
