حذر عالم البرديات العربي د. سعيد مغاوري، من استمرار الحكومات والدول في التجاهل التام للبرديات العربية والإسلامية، لافتا أن هناك آلاف الوثائق البردية العربية في مكتبات وجامعات أوروبا تعمل على دراستها والاستفادة منها.

وطالب أستاذ الآثار والحضارة بضرورة التحرك السريع لإنقاذ هذه الوثائق من الضياع، محذرا من أن تظل هذه البرديات حكرا على العلماء الأجانب الذين يحاولون إخفاء الحقائق لصالح الحضارة العربية. انطلاقا من ذلك دعا مغاوري إلى ضرورة وجود أرشيف أثري وثائقي، مؤكدا أن ذلك من شأنه تكوين كيان عربي وثائقي موحد يحافظ على الهوية العربية الإسلامية.. تفاصيل أكثر في سياق الحوار التالي.لو أردنا بداية وضع تعريف لمصطلح التراث، فماذا تقول؟ التراث بمفهومه الواسع هو كل نتاج الحضارة من علم وفكر، أي ما يخلفه السابق للاحق في الدين وفي الفكر وفي الأخلاق والآداب، وغير ذلك من النتاج الإنساني والفكري والوجداني للأمم السابقة.وما يخصنا هنا هو التراث العربي، الذي ينتسب إلى العربية لغة وتعبيرا وفكرا ومكانا جغرافيا، كما ينتسب إلى الإسلام عقيدة وفكرا مستخدما المنهج الذي وضعه له الإسلام والتعليمات التي جاء بها في معايشة أهل الكتاب جميعًا لذلك.

إلى أي مدى يهتم العرب بتراثهم ويحافظون عليه؟

قد تفاجأ إذا قلت لك بأن هناك كما هائلا من التراث العربي والإسلامي مازال يبحث عمن ينفض عنه غبار الزمان ويخرجه للنور، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على التجاهل العربي لهذا التراث، وللأسف نحن أمة لا تهتم بتراثها.

برأيك.. كيف يمكن المحافظة على التراث قبل فوات الأوان؟

دعنا نعترف بداية أن هذا ليس بالأمر الهين، ولا تستطيع دولة بمفردها أن تقوم به، بل يحتاج هذا إلى مجهود ضخم من الدول العربية جميعا، والغريب أنني منذ عشرين عاما وأنا أنادى بضرورة وجود أرشيف أثري وثائقي.

وأقصد هنا على وجه التحديد البرديات العربية التي لا تجد من يعتني بها، في حين توجد آلاف الوثائق البردية العربية في مكتبات وجامعات أوروبا تعمل على دراستها، والخطورة هنا أن يظل هذا المجال النادر حكرًا على العلماء الأجانب فهؤلاء أكثرهم لهم أغراض حاقدة ضد الإسلام وقد يعمدون إلى إخفاء هذه الوثائق حتى يظل الكثير من المعلومات عن حضارتنا خفيًا.

هل ما ينطبق على البرديات من تجاهل ينطبق على المخطوطات؟

البرديات للأسف أسوأ حظا، فالأولى- كما قلت- لا تجد من يهتم بها، وتعاني الإهمال التام دون أن يطالعها أحد، بينما المخطوطات نالت حظًا أكبر من الدعم والاهتمام والرعاية والعناية بها.

وتشهد عملية التحقيق رواجًا في العديد من الدول العربية مثل السعودية ومصر واليمن، كما أن هناك مؤسسات تعمل على العناية بالمخطوطات وفهرستها وتحقيقها.

نعود إلى البرديات، ما الأهمية التي تمثلها للعرب في الوقت الراهن؟

يكفي أن نشير إلى أن هذا العلم من شأنه دحض الأكاذيب والافتراءات التي روّج ويروّج لها المستشرقون المغرضون بهدف النيل من تراثنا وحضارتنا، كما أنه ثري بمادته العلمية التي تبرز جانبًا مهمًا من الحضارة العربية والإسلامية.

حيث يكشف عن حسن سياسة حكام وولاة أمور المسلمين تجاه أهل الذمة، هذا بالإضافة لعدالة الولاة وإنصافهم للرعية من مسلمين وأهل ذمة «يهود ونصارى»، وكذلك دقة تنظيم الدولة إداريا وماليا، وبجانب ذلك فإن هذا العلم من العلوم المهمة التي لا غنى عنها لطلاب التاريخ والآثار والحضارة واللغة والفكر والفنون.

وسط هذه الأهمية نتساءل: لماذا لم ينتشر هذا العلم في البلدان العربية؟

هذا العلم، كما ذكرت، يجد اهتماما كبيرا في المعاهد والمراكز البحثية الأجنبية منذ أكثر من 150 عامًا، وهي الفترة التي شهدت تسريب مجموعات كبيرة من البرديات العربية، ويحتفظ بها حاليًا العديد من المكتبات والمتاحف والجامعات في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وقد كان مجال علم البرديات العربية حكرًا على مجموعة متميزة من المستشرقين مثل المستشرق الفرنسي سلفستر دي ساس الذي نشر أول بردية عربية في مجلة العلماء سنة 1835م بباريس، ومنذ هذا الحين وبدأت الأنظار تتجه نحو هذه الوثائق المهمة عن الإسلام وحضارته.

نعود إلى مقترحكم بإنشاء أرشيف وثائقي، ما الخطوات التي تؤدي بهذا المقترح للتنفيذ؟

أن يسعى الحكام العرب لدعم المؤسسات المتخصصة للحصول على نماذج من وثائق البرديات العربية حيث لا يسمح لأحد بالاطلاع عليها سوى جمعية أهلية أو مؤسسة رسمية.

وذلك من شأنه تكوين كيان عربي وثائقي موحد يحافظ على الهوية العربية الإسلامية من خلال جمع معلومات عن الوثائق العربية التي تم تهريبها، والمحفوظة في عدد كبير من الجامعات ومراكز البحوث الأوروبية والأميركية.

بصفتك أستاذًا للآثار والحضارة.. ما أسباب اندثار الآثار الإسلامية في حين مازالت الآثار الفرعونية قائمة مع أنها أقدم عمرًا بآلاف السنين؟

الآثار الإسلامية لا تجد الاهتمام والشهرة والتسليط الإعلامي مثلما هو متاح ومتوافر للآثار الفرعونية؛ لذلك فإن اندثارها يبدأ في عقولنا وأعيننا قبل أن تندثر من مكانها، ومن هذا المنطلق أطالب الدول العربية والمؤسسات الثقافية بضرورة الاتجاه والانتباه لآثارنا والعناية بها والعمل على نشرها وتوجيه الطلاب لزيارتها، فعالمنا الإسلامي كنز سياحي لا أعرف لماذا ندير وجهنا عنه.

ومن شأنه أن يعود على كل الدول الإسلامية والعربية بالفوائد الكثيرة، ويكفي أن تعرف مدى أهمية الآثار الإسلامية إذ إنه لا توجد جامعة أوروبية أو أميركية إلا بها قسم للعلوم الإسلامية سواء «آثار أو تاريخ وحضارة»؛ وذلك لإدراك الغرب القيمة التاريخية والحضارية والفنية والمدنية والإنسانية للإسلام.

العناية بالآثار

آن الأوان لتشكيل اتحاد عربي إسلامي موحد للعناية بالآثار والمواقع الأثرية العربية والإسلامية وترميمها والتنسيق بينها، خاصة الوثائق والبرديات والنقوش والكتابات والعمائر الإسلامية النادرة والمساجد التاريخية وتبادل الخبرات العربية وإنشاء أرشيف أثري وثائقي موحد للدول العربية.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية