تنتمي مسرحيات هارولد بنتر «1930 ـ 2008» الذي توفي في الخامس والعشرين من ديسمبر، من العام الفائت،عن 78 عاماً إلى مسرح العبث، هذا المسرح الذي تأسس في منتصف الخمسينات، وكان من أهم أقطابه أعلامه.
بالإضافة إليه كل من «صاموئيل بيكيت ويوجين يونسكو وأرثر ميلر»، لكنَّ بنتر تأثر في بداياته بـ «صاموئيل بيكيت» الذي كتب بدوره أجمل الأعمال المسرحية كما في «انتظار غودو»، ليتخذ هذا التأثر بعد ذلك صيغة أخرى، إذْ آلَ إلى صداقة استمرت طويلاً مع بيكيت. وصف النقاد مسرح بنتر ب«مسرح القلق»، فهو مثير للتوتر تارة، ومُطعم بخيالات جنسية صاخبة وعاصفة تارة أخرى، كسر تقاليد المسرح الانكليزي بتحديث وتقعيد أدوات وطرق مسرحية / كتابية أكثر عبثية وغرائبية من حيث الطرح والمضمون، إذ إنَّ أبطاله يتحاورون في مسرحياته حواراً طويلاً دون أن يُفهم منه شيء، يتداولون بينهم جُمَلاً خبط عشواء ـ إذا صحَّ التعبير والوصف ـ لا لغموض جُمَله، بل للغته العبثية الصادمة وبما تنطوي عليها من سخرية مبطنة لا تخلو من تهكم واستفزاز مريرين.
تماماً كالواقع الملتبس الغامض الذي لا يُفهم منه شيء، حيث البؤس والتشرد والحروب والقتل والتدمير في كلّ مكان، إذْ الكل متورط في هذه الأحداث المأسوية، وليس ثمة منتصر، بل الكل منهزم.
وعن هذه النقطة بالتحديد، كان قد قال لجمهوره: «ليس ثمة فروق واضحة بين ما هو واقعي وما هو غير واقعي». في مسرحية له، تتألف من فصل واحد، وحملت عنوان «منظر طبيعي»، حوار بين «بيث» الزوجة و«داف» الزوج في مطبخ المنزل.
حيث أنَّ الزوجة «بيث» في أواخر الأربعينيات من عمرها، بينما الزوج «داف» في أواخر الخمسينات، كلّ منهما يستفيض في الكلام عن الماضي والذكريات دون أن ينتظر جواباً من الآخر، فيسردان ويسألان بعضهما البعض عن أحداث ووقائع شهِدها الاثنان، عن: الحب، الطيور، الورود، المطر، النهر، الشاطئ.
حوار يلوي عنق القارئ، فيصاب بالدهشة والغرابة، فيعيد قراءته مرة أخرى، لا بل مرات أُخر، إذْ ثمة ما يشده، ما هو هذا الشيء..؟ يحار في أمره، يشعر بالغباء، يجتهد تأويلاً، يفكك جمل الحوار.! وهكذا ترسو به الحال، إلى أن ترعبه جملة بذاتها، تكشف كلّ ما كان قد خفي عنه، هي بذاتها، هذه الجملة التي حاول الكاتب تمريرها، فأشتغل عليها بكلّ ذلك التكثيف والتصوير والعبث:
«بيث: آه كم أحب الوقوف قرب البحر.
داف: هرب الكلب، ولم أخبرك بذلك.
بيث: حينما ذهبت لأسقي الزهور نهض وصار يتطلع إليّ يرقبني كيف أرتبّ تلك الزهور. إنها قوة جاذبيتكِ، قال.
بعدها لمسني. لامس عنقي من الخلف برفق. تسللتْ أصابعه برّقة بين شعري ولامست عنقي بخفة.
داف: حين توقف المطر ألتفت حولي فإذا بالرجل والمرأة قد غادرا المكان ولم يبق في المتنزه أحد سواي.
بيث: كنت أرتدي ثوبي الأبيض. رداء الشاطئ فقط ولم أكن أرتدي شيء تحته. استلقيت قربه دون أن ألمسه.
داف: آه، نسيتُ أن أخبرك أن الكلب كان معي».
فهذه المسرحية، ذات الفصل الواحد، أشبه بلوحة مكثفة، عميقة الدلالة، فهي بحق منظر طبيعيّ، تختلط فيها كلّ الألوان بعناية فائقة، عن حيوات ومنعطفات هامة في حياة واحدة، بفصل مسرحيّ واحد.
أسّس بنتر لأدب سيعيش طويلاً، أدب عبثي بكلّ معنى الكلمة، لكنَّ المدهش أنَّ هذا الكاتب العبثي الذي كتب أعمالاً حفرت لها مكاناً في ذاكرة ووجدان القارئ على امتداد المعمورة، كان ملتزماً إلى أبعد حدود الالتزام، برؤية واعية متبصرة لمجريات الأمور، ونظرة سياسية ثاقبة، انتقد أميركا ووصفها بأنها تسعى للسيطرة على العالم.
تجلى انتقاده لها في حربها على أفغانستان عام 2001 وكذلك في غزوها على العراق عام 2003. لم يسلم من انتقاده «دبليو بوش» الذي وصفه بـ «مجرم حرب» قارن بينه وبين هتلر.
وانتقد كذلك «توني بلير» عندما وصفه بـ «الأبله»، كان قد رثى الشاعر الخالد «محمود درويش» بقصيدة من الطراز البنتري بعنوان «موت»، عُرِفَ بمعاداته للإمبريالية، نادى بحقوق الأقليات، انتصر للضعفاء والمهمشين، حتى غدا صوتهم المسرحيّ الأوحد في وجه البشاعة، الأنا، الزيف، والطغيان.
لم يكن غريباً أن يدخل إلى الإنكليزية، وإلى قاموس أكسفورد العريق أيضاً، اصطلاح الـ Pinteresque المنحوت من اسم بنتر، والذي يفيد معنى المناخ الدرامي الإنساني الخاصّ، المعقد والبسيط، المحليّ والكوني، الفردي والجَمْعي، الرحب العريض والضيّق حبيس الحجرة الواحدة، في آن معاً.
كما لم يكن بغير مغزى لافت أنّ الأكاديمية السويدية توقفت عند هذا النحت مراراً وهي تطري بنتر، الفائز بجائزة الأدب للعام 2005، بل وتستزيد حين تنحت مصطلحاً ثانياً هو «الأرض البنترية» ذيَُّمٌْفَل، ذات «الطبوغرافية المميزة، حيث تتمترس الشخصيات خلف حوارات مباغتة، وبين سطور تهديدات لا حلّ لها، فيكون ما نسمعه علامات على كلّ ما لا نسمعه.
من أهم الأعمال التي كتبها (حفلة عيد الميلاد) عام 1957، كانت سبباً مباشراً وهاماً في شهرته. تتالت بعد ذلك أعماله المسرحية، إذْ وصلت إلى ما يقارب الثلاثين عملاً مسرحياً، كما في «مدير المنزل» 1959 و«الخادم» 1963 و«العودة إلى الوطن» 1967 و«الخيانة» 1978، وهو بالإضافة إلى كونه كاتباً مسرحياً كبيراً، شاعر وممثل ومخرج، أعدّ سيناريو لرواية مارسيل بروست «البحث عن الزمن الضائع».
وصفه «نيكولا ساركوزي» ب« الإنساني المتبصر الذي لا يستكين ولا يساوم، وأثنى على طباعه المتمردة والخارجة عن الأنماط التقليدية. نال جائزة نوبل في العام الذي اعتزل فيه الكتابة المسرحية ليتفرغ للعمل السياسي، أيّ في عام 2005، وقد عللت الأكاديمية السويدية فوز بنتر قائلة «بأنَّ أعماله تكشف الهوية الموجودة خلف قوى الاضطهاد في غرف التعذيب المغلقة».
كما نال عدداً من الجوائز العالمية، إضافة إلى وسامين من الملكة إليزابيث الثانية.المسرحيّ الفذ والسياسي الملتزم والمدخن الشره، مات منذ سنة بعد أن أثار جدلاً ولغطاً طويلين، إذْ كان يخضع للعلاج الكيماوي بسبب سرطان المريء. لكنَّ أعماله ستبقى خالدة... وهذا شأن العظماء.
عمران عزالدين

