الوتر.. ليس أكثر من استحالة حَصر العالم، بما أن الذي نتفوه به، أو يرسم خطاً يسمّي فينا وضعاً صحياً لنا، حتى في مخطَّط دماغي أو قلبيٍّ، تبرز الخطوط في هيئات وترية، نبرز نحن معرَّفاً بنا من خلالها توازناً أو اختلالَ توازن
أن نتحدث عن الوتر، هو أن نستعين بآلة موسيقية وترية طبعاً، ونرجع إلى الوراء تاريخياً آلاف السنين، لندرك آنئذ مدى قِدمه، لكن الباحث في حقيقة الوتر يجده في المفهوم الهندسيّ: للمكان أيضاً، وهو يتابع موقعه في الدائرة بنسبة معينة، لكن الصدى العائد إليه لا يكفُّ عن تهجئة اسمه، باعتباره أكثر من كونه فرداً في عائلة موسيقية، أو هندسية، فهو يكاد يتخلى عن كلّ ما يعيّنه على الأرض أو على الورق، لأنه لا يفارق أيَّاً منا.
ربما أمكن القول أن حديث أحدنا عن توتُّره يذكّرنا بالوتر وهو يهتزُّ في وسط هوائي، أنه حين يعزف على وتر سواه إنما يعيش حالة اعتماد استعارية، وكأنّي به يريد إسماع الآخر ما يريده هو، أو يُسمعه ما يعرّف به. في الحالات كافة، لا يعود الوتر مجرد سلك يمكن النظر فيه، مشدوداً، مركَّباً بصورة معينة في آلة تسمّيه (عود، بزق، قيثارة، قانون...الخ).
لا يعود داخلاً في ملكية أيٍّ كان، إنه أكبر من اسمه الذي يجعله ملموساً، من حقيقته الصوتية بطريقة ما، من موقعه الرياضي الذي يختلف تبعاً لاستخداماته أو قياساته، بقدر ما يكون داخلاً في عالم تصوراتنا الكبرى، وهو قابلٌ للزيادة والنقصان، لإصدار أكثر من صوت: حادٍّ، رفيع، غليظ، هادئ....الخ، ليكون العائد إليه سعياً إلى تلخيص عالم كامل نتعامل معه، أو نعيش فيه بقدر ما نتفاعل مع بعضنا بعضاً.
لا أحد إطلاقاً، يكون قادراً على الربط بجزم، بين الوتر وهو في اهتزازه، والحالة النفسية التي يعيشها أيُّ منا، ما إذا كان الوتر حقاً لصيق التوتر، وأن الأخير وراء اكتشاف الأول والتفنن في أشكاله وألوانه، وجملة العلاقات القائمة بين وتر وآخر في إهاب آلة موسيقية لها وظيفتها واعتبارها الجماليين والمعتقديين، أو يكون مجردَ اسم، ليس أكثر من دال على مدلول، ولكنه دونَ التنوع الهائل واللامسمى كثيراً في المسمى واقعاً، عندما يكون الوتر الخاصُّ به قابلاً للزيادة والنقصان، مختلَفاً عليه في عزفه الذاتي بين وضع وآخر في عمرنا الزمني.
ثمة خطوط متعرجة وغير سالكة في العلاقة المعقَّدة بين الطرفين، لكن ما لا يُخفى على أحد، ما لا يمكن تجاهله هو أننا نتلمس في الوتر ما يعنينا كثيراً في سبر كشوف انفعالاتنا أو مشاعرنا أو حساباتنا النفسية.
إننا في طربنا أو كربنا، في اندفاعنا داخل عالم مفتوح وهو في صخبه أو عجبه، أو انسحابنا إلى أعماقنا النفسية وما يعزّينا في ذلك، نمارس ترجمةً ذاتية أو اجتماعية.
أو عبر مزيج ما لهذا الذي لا يهدأ فينا، إنه بحثنا عما يستهوينا، إنها سلسلة توتراتنا التي لا تنفك تخرجنا من محميّاتنا النفسية الضيقة أو المصطنعة ليكون التوتر مسمّياً وتره الموسيقي، لتكون الموسيقى هذه بمسمّيها الوتري حالة جلية من حالات وجودنا الحيوي المختلف في الكون ونحن لا نني بالمقابل نمارس «دوزنة» للوتر الذي لا يكف عن تسميتنا لمن حولنا ولنا كما يقول سلوكنا المرئي، لغتنا، سيماء وجوهنا بوصفها الوتر النابض بحياة ما، إنه التوتر الذي لولاه لما كان لحضورنا النفسي والاجتماعي والثقافي والإنساني من معنى، لكأن الوتر يُبقينا على تماس مباشر بكل ما يشغلنا في الطول والعرض والعمق.
الوتر! ليس أكثر من استحالة حَصر العالم، بما أن الذي نتفوه به، أو يرسم خطاً يسمّي فينا وضعاً صحياً لنا، حتى في مخطَّط دماغي أو قلبيٍّ، تبرز الخطوط في هيئات وترية، نبرز نحن معرَّفاً بنا من خلالها توازناً أو اختلالَ توازن. ينبري الناظرُ عن تخصص في هيئة مفكّك جملة العلامات الإيقاعية، مواجهاً المعني بحقيقة ما يجهله أو ينتظر سماعه منه، ليبقى المجهول فينا، ومن حولنا أكثر مما ينحصر في الوتر المتعدّد الاستعمالات والدلالات.
لكلٍّ وتره، عزفُه المنفرد، صوته الذي يكون حصيلة مهاراته ومساعيه في البروز، كما هو المُؤتى من الوتر فيما ينبع منه صوتاً وما يتوقف عنده تذوقاً جمالياً. لكلّ دفقه الشعوري الذي يتجلى من خلال طبيعته الوترية تلك.
لا يعود الوتر الجسمَ المادي الذي يسهل الرجوعُ إليه والتأكد من معدنه، حتى لو أنه كان في مرمى النظر، أو ملء السمع، إنما ما يبقيه خارج دائرة تكوينه المادية، ليسهل علينا، على أي منا سهولة أو إمكانية العزف على وتره، أو وتر الآخر، بالطريقة التي تعرّف به أكثر، وكأن هناك شبه اتفاق فيما بين بني البشر في وضع كهذا، كأن الوتر هو السهل بلوغاً والمستحيلُ تحديد أوصاف.
كما هو الجاري الحديث في أمره بالنسبة لأيٍّ منا، فيما يطربه أو يوتّره عزفاً، ورغم ذلك يظل مشدوداً إلى وتره، إنه مدار صوته وما يحيط بالصوت داخلاً، لنكون في مفترق طرق هائلة، ونحن ننشد رغمَ كلّ شيء إلى عذوبة الصوت دونَ السؤال عن وتره، ونحن نتحرك في المسافة الحرجة بين صوت نحرّره من نسبه إلى أي وتر، ووتر ذاتي نستميتُ في الدفاع عنه كثيراً!
إبراهيم محمود
