لا شكّ أنّ عالم الألوان خلاّب ومنفتح على التآويل، يستقلّ كلّ لون بطباع وتوصيفات تُضفَى عليه، أو يُعرف بها بحكم العادة أو الاستعمال اللذين قد يكون لهما دور في درجة في خانة ما.
في علم وعالم الجمال، تغدو للألوان فلسفة تتخصّص بها، عدا عن تمتّعها بنوع من الشموليّة حين الحديث عنها، كما يغدو لكلّ شخص لونه أو ألوانه المفضّلة، التي تكون له مبرّراته التي يقنع نفسه بها، حين اختياره لهذا اللون أو ذاك.. وقد أدّى ذلك إلى انهمام كثير من الباحثين في التوغّل في فلسفة الألوان، وتحليل الأبعاد التي تنطوي عليها.. فسمّي أحدها سيّد الألوان، وآخر تشظّى في تفسيراته، فدلّ على النقائض، ثمّ آخر جال في عوالم من الدوالّ والمدلولات.. فكان الحديث عن تأثير كلّ لون، وأوقات استعماله أو اللوذ به.
وفي بحر التحليل والتأويل اللونيّ، يكون هناك إجماع حول ما تحظى به السجّادة الحمراء من قيمة اعتباريّة مميّزة عند غالبيّة الناس، ذلك لما لها من سطوة ومكانة في النفوس، حيث تصبح مَحجّاً للكثيرين الذين قد يقضون أعمارهم في نشدانها والحلم بها من دون أن تواتيهم الفرصة كي يتمتّعوا بالسير عليها.
هي التي تُفرَش للقادة والزعماء في زياراتهم الرسميّة، كما تُفرَش للممثّلين عند دخولهم بوّابات المسابقات السينمائيّة الرسميّة الشهيرة، ويكون بين السجّادتين اختلاف وتلاقٍ، إذ أنّ السجّادة التي تفرَش للزعماء، تبقى مَهيبة، رصينة، تحوطها الكاميرات التي تصوّر كلّ ما يجري عليها، وتراقب عن كثب وبترقّب وتوجّس، تضفيهما عليها الطقوس المصاحبة، من عزف للنشيد الوطنيّ، ثمّ السير عليها بخطا محسوبة بدقّة، ثمّ ما يتلو ذلك من التقاليد والأعراف المتّبعة، أثناء ذلك يكون هناك تهميش مطلق للكاميرات، ورصانة وعبوس أو تجهّم يلتزم به المسؤولون عادة..
أمّا بالنسبة للسجّادة التي تفرَش للنجوم والمشاهير عند استقبالهم في مهرجان ما، فإنّها تحظى بنوع مختلف من المتابعة، حيث يكون التركيز على كلّ شيء يتعلّق بها، علاوة على التخمينات التي تسبق وصول أيّ نجم، ثم التعليقات التي تتبع دخوله، مع عدم إغفال ما سيتصرّف به أثناء مروره، سواء أكان تحيّة للصحفيّين، أو إلقاء الورورد إليهم، أو الابتسام للكاميرات، أو الوقوف للحظات والإدلاء بحديث عابر مقتضب، يبوح فيها بمشاعره في أغلب الأحيان.
لعلّ فيما يقوله علماء الطاقة عن اللون الأحمر بأنّه رمز الانتماء، ما قد يفسّر سرّ السجادة الحمراء التي تفرش لأيّ دبلوماسيّ يزور بلداً ما غير بلده، حيث يؤوولون بأنّ أثر وتردّد اللون الأحمر على الجهاز العصبيّ وخلايا الجسم تقوّي روح الانتماء. في حين يرى علماء النفس أنّه لون يرمز للحبّ، لون مهيّج، ناريّ، جاذب.. وقد يكون في ذلك ما قد يفسّر انكباب معظم المشاهير وحرصهم السير عليه.
السجّادة الحمراء، تبقى مغلّفة بالكثير من الأسرار والرغبات والأحلام.. وهي بقدر ما تروي ظمأ البعض فإنّها تثير جنون الآخرين، لما تستبطنه من ألغاز تستعصي على الحلّ، ورموز مفقودة إلى أجل غير معلوم..
كما أنّها في افتراشها الأرض، تخفي أشياءً ومعالم بعينها، ولا تسطّح إلاّ لتنغلق، تغدو صندوقاً مليئاً بالأحجيات والأماني.. ولا غرابة أن نسمع أن هناك جهات تدفع مبالغ طائلة لتسير على تلك السجّادة في هذا المهرجان أو ذاك، أو أن نقرأ خبراً يفيد بسرقة أحدهم للسجّادة الحمراء المفروشة على أبواب أحد الفنادق المحضّرة لاستقبال النجوم.. ناهيك عن تحطّم قلوب الكثيرين لعدم تمكّنهم من تحقيق طموحهم في الاقتراب منها أو ملامستها.
لا يمرّ يوم إلاّ ونشاهد فيه السجادة الحمراء تفرش هنا أو هناك، كما لا يمرّ يوم إلاّ ويتكرّر فيه ذكرها بنوع من التلقائيّة والعفويّة بعيداً عن التأويلات والتفسيرات والتأثيرات.
فهل يصحّ القول إنّ عالم المشاهير، هو عالم السجاجيد الحمراء بامتياز... أو إنّ السجّادة الحمراء هي صندوق الدنيا.
هيثم حسين
