الرأسمالية بالخط العريض هي المنظومة الأكثر انتشاراً في العالم اليوم خاصّة بنسختها الليبرالية الجديدة، ذلك بعد الانتصار الذي حققته على «خصمها» الذي تجسّد لعقود طويلة بالاشتراكية. لكن الرأسمالية تعرف منذ مطلع سنوات الثمانينات المنصرمة تحوّلا عميقا. وهذا ما يشرحه الأستاذان الجامعيان الفرنسيان الموهوب موحود ودومينيك بليهون في كتابهما الأخير المشترك الذي يحمل عنوان «المعرفة وعالم المال».
الأطروحة الأساسية التي يقدّمها المؤلفان في هذا الكتاب تتمثّل في القول ان التبدّل الذي تعرفه الرأسمالية يعود إلى وجود «علاقات خطيرة في قلب الرأسمالية المعاصرة»، كما يقول العنوان الفرعي.
ويتم تحديد عاملين حاسمين كانا وراء حدوث تحوّل عميق في مفهوم الرأسمالية نفسه. هذان العاملان هما الصعود القوي لدور المال الذي أصبح قوّة عالمية ـ كونية ـ بحيث ساد الحديث عما سمي «الرأسمالية المالية». والعامل الثاني يتمثّل في التكنولوجيات الجديدة التي أدخلت الاقتصادات الصناعية فيما يسمّى ب«مجتمع المعرفة». هكذا تبدو واضحة الآن دلالة عنوان الكتاب «المعرفة وعالم المال».
تقول إحدى النظريات السائدة اليوم أنه ينبغي لهذه الرأسمالية الجديدة أن تصبّ في مصلحة الجميع وأن تعمّ فوائدها على مختلف المجتمعات،الغنيّة منها والفقيرة، وعلى مختلف الطبقات داخل المجتمعات نفسها. ذلك بفضل الديناميات التي تخلقها وتتطلّب مشاركة الجميع.
لكن مثل هذه النظرة المتفائلة أظهرت أنها لا تتطابق مع ما يجري في الواقع العملي. وكانت الأزمة المالية العالمية الراهنة التي ظهرت بوادرها منذ حوالي العامين والتي لا تزال غير معروفة النتائج برهانا على ذلك.
الأسباب الجوهرية الذي يتم تقديمها في هذا الكتاب تتركّز على القول أن التكنولوجيات الجديدة شجّعت بالتأكيد على انتقال الأفكار والمعلومات، لكن ذلك حدث بصورة غير متكافئة وكانت فائدة بعض البلدان المتقدّمة منها أكثر بكثير من الدول الفقيرة مع ما ترتب على ذلك من زيادة التفاوت وتعميق الهوّة بين بلدان الشمال والجنوب.
كذلك يركّز المؤلفان على القول انه إذا كانت آليات التمويل الحديث قد ساعدت على تطوير مختلف أشكال التجديد التكنولوجي وفي مقدمتها شبكات الانترنت التي أمّنت الانتقال الفوري للمعلومات ومشاركة الجميع فيها، فإن تعاظم دور المال في الاقتصاد كان أيضا أحد الأسباب الرئيسية التي كانت وراء «اهتزاز» اقتصاد البلدان المتقدّمة».
ومن الأفكار الرئيسية التي يؤكّد عليها المؤلفان القول ان الأزمات التي شهدتها العقود الأخيرة، وخاصة الأزمة الراهنة، تعود بدرجة كبيرة إلى وجود تناقض عميق بين إيقاع عالم المال وإيقاع عالم المعرفة. أن عالم المال يتميّز بدرجة عالية من عدم القدرة على الصبر فهو عجول دائماً من أجل الوصول إلى تحقيق المكاسب بينما تتمثّل الميزة الجوهرية لعالم المعرفة أن أفق التكدّس فيه هو بالتعريف على المدى الطويل، بل والطويل جداً.
ويؤكّدان في مثل هذا السياق على ضرورة عدم «قراءة» العولمة دون الانتباه إلى ما تحتوي عليه من تباين. فمثلا إذا كانت بلدان صاعدة مثل الصين والهند قد دخلت في منطق العولمة ومسيرتها فإن ذلك كان بالنسبة لشريحة من مجتمعاتهما وليس للجميع.
إن مؤلفي الكتاب يقدّمان تحليلاتهما للرأسمالية الجديدة وللعلاقة بين المال والمعرفة من خلال أربع مراحل.المرحلة الأولى هي توصيف ملامح العالم الرأسمالي اليوم ويبينان فيها أن الفكرة الشائعة عن العالم اليوم أنه «قرية كونية» هي بالأحرى أقرب إلى الأسطورة مما هي إلى الواقع. ذلك أن سيطرة المال على المجتمعات وعلى الاقتصاد تجاوزت الحدود الطبيعية. وتتم الإشارة إلى أنه إذا كانت المعرفة بحاجة إلى المال من أجل ازدهارها فإن القائمين على الدورة المالية كبحوا هذه المعرفة ببحثهم عن زيادة مكاسبهم بلا حساب لأي شيء آخر وبأسرع ما يمكن.
في المرحلة الثانية يشرح المؤلفان آليات تنظيم الإنتاج داخل اقتصاد المعرفة.ويتم في هذا الإطار التأكيد على وجود بعدين للرأسمالية الجديدة وللعولمة يتم إغفالهما بوجه عام.البعد الأول يتعلّق بوجود عملية استقطاب واضح للنشاطات وللثروات حول عدد محدود جدا من القوى والبلدان. والبعد الثاني هو قيام نوع من التعايش بين منطقين متغايرين لتقسيم العمل العالمي على صعيد الصناعات الكبرى والخدمات.
المرحلة الرابعة والأخيرة مكرّسة لدراسة آليات عمل العولمة وعمل مؤسساتها من زاوية محاولة الدول والشركات فرض رقابتها على المعرفة. وتتم أوّلا محاولة الرد على السؤال التالي: «هل حقوق الملكية الفكرية هي في خدمة المعرفة؟» وهذا السؤال هو عنوان أحد فصول الكتاب.
المؤلفان في سطور
الموهوب موحود، اقتصادي فرنسي وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة باريس ـ دوفين. ويترأس مجموعة للبحث في إطار المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. من مؤلفاته: «التغيّر التقني والتقسيم الدولي للعمل» و«العولمة وهجرة الشركات».
ودومينيك بليهون هو أيضا أستاذ للاقتصاد ويدير قسم الدكتوراه في جامعة شمال باريس. من مؤلفاته: «الرأسمالية الجديدة» و«العملة وآليات عملها».
الكتاب: المعرفة وعالم المال، العلاقات الخطيرة في قلب الرأسمالية الحديثة
تأليف: الموهوب موحود، دومينيك بليهون
الناشر: لاديكوفيرت باريس 2009
الصفحات: 238 صفحة
القطع: المتوسط
Le savoir et la finance
El Mouhoub Mouhoud
Dominique Pilhon
La De couverte. Paris 2009
238P.
