في هذا الكتاب الجديد «مدينة البشر» يعود رئيس وزراء فرنسا السابق دومينيك دوفيلبان للحديث عن المشهد السياسي الفرنسي وعن المبادئ الأساسية التي يرى أنه ينبغي التمسك بها. وفي مقدمتها المحافظة على الصوت الفرنسي المستقل، خاصة فيما يتعلق بالمسائل الدفاعية.
وعنوان هذا الكتاب «مدينة البشر» يفصح عن الفكرة الأساسية فيه ومفادها أن البشر جميعا معنيين بهذا العالم الذي نعيش فيه. ومن هنا ينبغي التأكيد على التآخي بين بني الإنسان. لكن بسبب «الهشاشة» التي يتسم فيها العالم اليوم ينبغي على جميع الأمم أن تحافظ على استقلالها وسيادتها، خاصة فيما يتعلق بالمسائل الدفاعية والعسكرية.
وضمن مثل هذا المنظور يشرح المؤلف أن المهمّة الملقاة على عاتق بلد مثل فرنسا هي أولا ضمان قدر كبير من الأمن لأبنائها، ولكن عليها أيضا أن تكون ضامنة لأمن أصدقائها وحلفائها في العالم.
وهنا يسأل: «هل هذا المطلب يستدعي أن تكون ترجمته هي العودة للاحتماء في الحضن الغربي»؟ ويقصد بذلك العودة إلى الحلف الأطلسي. ويجيب مباشرة على مثل هذا السؤال بالقول: «لا أعتقد أن مثل هذه العودة لا تعود بالنفع على أحد. إذ أننا نعطي بذلك الانطباع بالانكفاء بالنسبة لأمم وشعوب ينتظرون الكثير منا. وهنا أو هناك سيتم الإحساس أن في الأمر خيانة».
ويصل المؤلف في مثل هذا السياق إلى القول أن «فرنسا، من خلال جغرافيتها وتاريخها (...) عرفت كيف تؤمّن وحدها في اللحظات الصعبة سلامتها. هذا ما بيّنته بوضوح حربان عالميتان».
هذا بعيدا عن منطق «التحالفات» أو تحقيق الأمن الجماعي. ولا يتردد دومينيك دو فيلبان من القول أن عودة بلاده إلى الاندماج بالبنى العسكرية للحلف الأطلسي تعني قدرا أكبر من «الخسائر» مما هو من «المكاسب». ذلك أنه مقابل تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة على الصعيد الأطلسي تخسر فرنسا نفوذها في العالم.
ويرى دوفيلبان أن الحلف الأطلسي نفسه قد غيّر من طبيعته بعد انهيار المعسكر الشيوعي ومعه حلف وارسو، أي الحلف الأطلسي السابق الذي كان يضم البلدان الاشتراكية. ويحدد المؤلف القول أن «الحلف الأطلسي تحوّل من تحالف إقليمي إلى رابطة مسلّحة للبلدان الديمقراطية، وكذلك تحوّل شيئا فشيئا إلى نوع من شرطي العالم بحيث يقوم بمهمات حفظ السلام بدلا من الأمم المتحدة». الأمثلة التي يتم ضربها على هذا الواقع الجديد تمتد من كوسوفو حتى أفغانستان اليوم ومرورا بدارفور في السودان.
ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين كي يطرح السؤال التالي: «إن التدخل ـ الأميركي ـ في العراق عام 2003 شوّه العلاقة الإستراتيجية الأطلسية. فهل كان من الممكن إثارة النقاش حول شرعية مثل ذلك التدخل وحول احترام القيم كما فعلت فرنسا ـ في الأمم المتحدة- لو كانت آنذاك مندمجة في البنى العسكرية للحلف الأطلسي»؟
وبعد الإشارة إلى أن فرنسا هي التي كانت قد خطّت النهج الذي تبنّته معها ألمانيا أيضا، يتم التأكيد على مظهرين أساسيين أثناء تلك الأزمة. الأول هو أنه كان هناك نوع من الإجماع على رفض إرسال قوات إلى العراق والثاني الاحتجاج على الشرعية التي قال بها الأميركيون لشن الحرب. يقول المؤلف: «إن فرنسا قادت معركة حقيقية بغية إقناع شركائها أنه كانت هناك مخاطرة كبرى في المواجهة مع العالم العربي ومع الإسلام».
ويؤكد المؤلف على أهمية علاقة فرنسا وأوروبا عامة مع روسيا التي ينبغي، حسب رأيه، تجنّب أية مواجهة معها، خاصة أنها لم تعد مصدر تهديد لبلدان أوروبا الغربية كما كان الأمر في ظل الاتحاد السوفييتي. ويتم التذكير هنا أن البلدان الأوروبية لا يمكنها أن تستغني عن روسيا من أجل إيجاد حلول لمشكلة الطاقة.
بالمقابل يؤكد دوفيلبان على ضرورة أن تحافظ فرنسا على موقعها كسحليف يستحق الثقة» للولايات المتحدة الأميركية.هذا خاصة أن التاريخ أثبت عمق الروابط بينهما منذ الثورة الأميركية للاستقلال التي لقيت الدعم من فرنسا. إنها «علاقة صداقة وطيدة برهنت على ثباتها في أوقات السلم وخلال الحروب». لكن بالمقابل «من واجب الصديق، أكثر مما هو من واجب الحليف، أن يُظهر عدم موافقته وأن يحذر من الأخطاء الممكنة»، كما يؤكد المؤلف أيضا.
إن النتيجة التي يتم الوصول إليها بصدد عودة فرنسا للاندماج في البنى العسكرية الموحّدة للحلف الأطلسي، يلخصها مؤلف هذا الكتاب بالقول: «في المحصلة، إن هذا القرار ـ عودة فرنسا إلى الحلف الأطلسي ـ يقوم على رهان تغيير الحلف الأطلسي من الداخل والوصل إلى حلف أطلسي متجدد ومتوازن ومحدد المهمات.
الامتحانات ستكون كثيرة خلال السنوات القادمة كي تثبت فرنسا أنها قادرة على أن يكون لها وزنها داخل التحالف الأطلسي، وذلك فيما يخص الشراكة مع روسيا أو أوروبا الدفاعية أو إيجاد مفهوم إستراتيجي جديد للمنظمة أو السياسة المتبعة حيال أفغانستان».
إن المؤلف يرسم إجمالا في هذا الكتاب صورة للعالم الذي بدا وكأنه يهتز وتتكاثر فيه الأزمات والحروب ويحدد ثلاثة مظاهر سلبية تهدد النظام العالمي في أسسه وهي حمى المضاربات والعولمة المالية، وثانيا فقدان النموذج ـ الموديل ـ الصناعي الذي يزيد عمره عن قرنين من الزمن لمرجعياته، وثالثا «موت الغرب» بعد حوالي خمسة قرون من الهيمنة.
ويؤكد المؤلف أنه من الملحّ التخلي عن «أشكال الجنون» التي قادت العالم إلى ما هو عليه من الانحطاط. خاصة بسبب «نشوة القوة» التي جسّدتها أميركا في عهد جورج دبليو بوش.
والتخلص أيضا من أوهام «هلوسات» نقاء الغرب. المطلوب اليوم هو «إعادة صياغة العالم» وهناك «أوراق رابحة» ينبغي استثمارها يحدد أهمها في وعي التحديات المناخية وفي الرغبة الجامحة في السلام. كما يرى من بين هذه الأوراق وصول باراك اوباما إلى السلطة في الولايات المتحدة. والخيار هو «بناء مدينة البشر أو الغرق في بربرية جديدة».
المؤلف في سطور
دومينيك دوفيلبان هو رئيس وزراء فرنسا السابق ووزير خارجيتها في حكومة آلان جوبيه السابقة. وهو شاعر وكاتب. صدر له قبل سنوات كتابا عن الشعر تحت عنوان «سارقو النار». ومن كتبه أيضا «النورس البحري وسمك القرش»، عن التاريخ السياسي لفرنسا و«السقوط أو مملكة العزلة» عن حياة نابليون بونابرت، الخ.
الكتاب: مدينة البشر، من الأزمة إلى الأمل
تأليف: دومينيك دوفيلبان
الناشر: بلون باريس 2009
الصفحات: 245 صفحة
القطع: المتوسط
La cité des hommes
Plon - Paris 2009
Dominique de Villepin
245P
