يتفق الجميع على أن إدارة الرئيس باراك اوباما ورثت العديد من التحديات الكبرى من إدارة جورج دبليو بوش السابقة، وذلك على صعيدين، الصعيد الأميركي الداخلي وصعيد السياسة الخارجية.
وكتاب «إدارة اوباما وبلدان القارّة الأميركية» يكرّسه المساهمون ال14 الذين شاركوا فيه للبحث عن علاقة الإدارة الأميركية الجديدة ورؤيتها و«أجندتها» الخاصّة ببلدان أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي.وكان هؤلاء المساهمون الذين ينتمون إلى مختلف بلدان المنطقة الأميركية قد التقوا في ندوة نظّمتها مؤسسة بروكلين في واشنطن للبحث عن الآفاق التي قد تفتحها إدارة اوباما من أجل تعزيز التوجهات الديمقراطية في الجوار الأميركي اللاتيني. وكان من المطلوب أن يقدّم كل مساهم في الندوة، وفيما بعد في الكتاب، رؤيته حول «الكيفية التي يمكن للولايات المتحدة من خلالها أن تدعم واقعيا الحكومات الديمقراطية في أميركا اللاتينية كي يتم الذهاب أبعد في تطبيق دولة القانون».
تجدر الإشارة منذ البداية إلى أن القسم الأكبر من هذا الكتاب يخص ما يسمّيه المساهمون «الحالات الصعبة» ويقصدون فيها كولومبيا وهاييتي وكوبا وفنزويلا وبوليفيا والمكسيك.ولكن يتم التأكيد عامّة أن الديمقراطيات في أميركا اللاتينية تعاني من العديد من نقاط الضعف. ذلك على خلفية من الاستياء الشعبي العام حيال الأنظمة الديمقراطية التي لم تقدّم الحلول التي كانت منتظرة منها للعديد من المشاكل البنيوية.
وفي مقدّمة المشاكل التي تتردد في جميع مساهمات هذا الكتاب هناك التصدّي للفقر المزمن في الغالبية العظمى من بلدان المنطقة. وهناك أيضا عملية «إدارة» الانتقال من أنظمة ذات طبيعة استبدادية نحو تبني النظام الديمقراطي. ومشكلة أخرى يتم التعرّض لها وتخص آليات الانتقال على الصعيد الاقتصادي من نموذج الدولة المركزية إلى اقتصاد السوق بسبب ضرورة التأقلم مع مستلزمات العولمة.
وضمن هذا السياق يتم التأكيد على ضرورة أن تلتزم الولايات المتحدة في عهدها الجديد بتبنّي سياسات تؤكد على دعم الديمقراطية كنهج مبدئي وناظم لعلاقات واشنطن مع بلدان أميركا اللاتينية التي تتجه أكثر فأكثر نحو الخروج من النموذج الاستبدادي والتوجّه الحازم نحو الديمقراطية، كما تشير بوضوح نتائج العمليات الانتخابية خلال السنوات القليلة الماضية.
لكن العديد من المساهمات التي يتضمّنها هذا الكتاب مثل تلك التي يقدّمها المشرفون الثلاثة عليه ابراهام لوينتال وتيودور بيكون ولورنس ويتهيد، ولكن أيضا مساهمات وزير خارجية كولومبيا السابق رودريكو باردو وجينيفر ماكوي من مركز كارتر للأبحاث وجورج مولينا، الاستاذ في جامعة اكسفورد، تؤكّد كلّها على أن سلوك الولايات المتحدة الأميركية يتحمّل قسطا كبيرا من المسؤولية في كون الديمقراطية ببلدان أميركا اللاتينية هي في موقع الدفاع باستمرار.
وتتم في هذا الإطار مناقشة الإطار الذي يمكن لتعددية الأطراف أن تتحقق فيه، وليس فقط أن تتحقق فحسب ولكن أن تكون فاعلة أيضا. يجرى الحديث هنا عن فرضية إمكانية قيام تحالفات تقوم بمهمّة التصدي لكل أشكال الانحرافات في المسار الديمقراطي أو ربما تتولّى الأمم المتحدة قيادتها أو منظّمة الدول الأميركية. بكل الحالات من المطلوب أن تبذل واشنطن جهودا حقيقية لتدعيم الحكومات الديمقراطية وتعزيز مسيرتها في منظور الوصول إلى سيادة دولة القانون.
ويتم في هذا السياق تكريس عدّة مساهمات لدراسة بعض تجارب الحكم المحددة في أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي. هناك مساهمتان لدانييل اريكسون أحد المسؤولين في إطار الحوار بين الدول الأميركية وغابرييل فالديس، المسؤول السابق عن برنامج للأمم المتحدة في هاييتي، تعنيان بالتحديد التجربة الهاييتية.
المساهمتان تصبّان في القول ان هاييتي تواجه باستمرار نفس الصعوبات «التاريخية» وفي مقدّمتها بناء مؤسسات قويّة من جهة وتحقيق درجة كافية من النمو الاقتصادي الذي لا يزال غائبا حتى الآن.
وتصل التحليلات أيضا إلى القول ان أي تعاون متعدد الأطراف على صعيد القارّة الأميركية كلّها لن يكون حلاّ إذا لم تترتب عليه نتائج ملموسة على صعيد الحياة اليومية للناس تتجاوز مجرّد توجيه النقد لفشل النموذج السياسي. وفي هذا السياق أيضا يتم التأكيد على الدور المركزي الذي ينبغي على واشنطن أن تلعبه في منطقة الكاريبي فيما هو أبعد من التركيز على تحضير فترة «ما بعد كاسترو» في كوبا.
إن الخشية الكبرى التي يتم التأكيد عليها في نهج إدارة باراك اوباما حيال أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي يتم تحديدها في رؤية أن هذا المجال الجغرافي المجاور لا تشكّل أممه أي تهديد في الأفق القريب المنظور بالنسبة للولايات المتحدة .
وبالتالي لا تشكّل أولوية للسياسة الخارجية الأميركية. هذا خاصّة أنه يسود الاعتقاد أن فترة ما بعد الحرب الباردة أنهت احتمال أن تمثّل كوبا أو غيرها قاعدة لقوّة معادية كما كان الأمر في حقبة الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين، رأسمالي واشتراكي.
المشرفون في سطور
يعمل ابراهام لوينتال أستاذا للعلاقات الدولية في جامعة كاليفورنيا الشمالية وهو الرئيس الشرفي للمجلس السلمي للسياسة الدولية. وهو أخصائي بشؤون أميركا اللاتينية في مؤسسة بروكلين. وكان مديرا لمؤسسة الحوار بين شعوب القارّة الأميركية.
وتيودور بيكون مسؤول عن دراسات السياسة الخارجية الأميركية في مؤسسة بروكلين. عمل لفترة كمستشار في وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين. ولورنس ويتهيد أستاذة في جامعة أكسفورد.ومن كتبها «أميركا اللاتينية: قراءة جديدة».
الكتاب: إدارة أوباما وبلدان القارّة الأميركية
تأليف: إبراهام لوينتال وتيودور بيكون ولورنس ويتهيد وآخرون
الناشر: مؤسسة بروكلين واشنطن 2009
الصفحات: 235 صفحة
القطع : المتوسط
The Obama administration and the americas
Abraham lowenthal Theodor Piccone Laurence Whitehead
Brookings Institution Washington 2009
235P .

