أمضت روزا لوكسمبورغ العديد من سنوات حياتها في السجون الألمانية. اشتهرت كمناضلة ثورية وكتبت العديد من النصوص التي أصبحت من كلاسيكيات الأدب اليساري في القرن العشرين.
وخلال سنوات السجن الطويلة كتبت روزا لوكسمبورغ عددا كبيرا من الرسائل لأصدقائها والتي لم تتضمن سوى قدرا قليلا جدا من السياسة لتتركز على الجانب الإنساني والتأكيد على أن أجمل ما في الحياة هو الحياة نفسها وعلى القول أن السمة الأساسية التي ينبغي على الإنسان أن لا يساوم عليها هي بالتحديد إنسانيته. تلك الرسائل تشكل مادة كتاب «روزا، الحياة» الصادر قبل أسابيع قليلة في فرنسا.قامت بترجمة هذه الرسائل الممثلة المسرحية الفرنسية انوك غرينبرغ، التي كانت قد قدّمت عملا مسرحيا مستوحى من بعض رسائل روزا لوكسمبورغ. وقد عبّرت عن ذلك بالقول: «بالنسبة لي ليس هناك أبدا ما جعلني أكثر سعادة من قراءة هذه الرسائل».
تقول روزا لوكسمبورغ في إحدى رسائلها: «إن شيئا واحدا يثير ألمي هو أنه محكوم علي بأن أتمتع وحدي بهذا القدر من الجمال. أريد أن أصرخ من فوق هذه الجدران ـ في السجن ـ أرجوكم أن تنتبهوا لجمال هذا اليوم الرائع. ولا تنسوا، مهما كانت مشاغلكم وحتى لو كنتم تجتازون الساحات بسرعة، ومهما كانت المهمة التي تنفذونها ملحة، لا تنسوا أن ترفعوا رأسكم لحظة وتلقوا نظرة على الغيوم الفضية وعلى المحيط الأزرق الذي تسبح فيه».
وفي زنزانتها الضيّقة عرفت كيف تدفع باستمرار الانغلاق على الذات وعرفت أيضا كيف تدفع جدران الزنزانة وتجعلها أكثر رحابة، وبمعنى ما استطاعت أن تنجو من سجنها وتحلّق في أجواء الحرية الرحبة، ولو بقيت جسديا داخل ذلك السجن، كما يكتب «ايدي بلينل» المدير السابق لتحرير صحيفة لوموند، في مقدمته لهذا الكتاب.
روزا لوكسمبورغ، المناضلة السياسية المعروفة، تبتعد إذن في هذه الرسائل عن السياسة إلى حد كبير إلا بالمعنى الذي لا يمكن الفصل فيه بين السياسة وطريقة العيش.
وتقول روزا في رسالة لها موجهة لصديقتها «لويز كاوتسكي»، أنها «لا تستطيع ـ للأسف، كما تؤكد ـ التمتع سوى قليلا بجمال العالم». ونقرأ أيضا: «الوقت مساء الآن ونسمات هواء عليل تتغلغل إلى زنزانتي عبر شقوق النافذة (...). هذه النسمات اللطيفة تحملني معها بعيدا، لا أعرف أين. إن الحياة تلعب معي دائما لعبة التخفّي. وينتابني دائما الإحساس أن الحياة ليست حيث أكون، ولكن في مكان بعيد».
وتلقي هذه الرسائل الضوء أيضا على عدد من المواقف والأحداث التي عاشتها صاحبتها بحيث أنه يمكننا أن «نجدها» في كلمات هذه الرسائل. إنها تحكي عن أهوائها وعواطفها وانفعالاتها أمام المواقف والأحداث ولكن أيضا أمام البشر وسلوكهم.هذا دون أن ننسى قضيتها كما تكتب بوضوح في رسالة لها من السجن ما يلي:
«إن الأخوّة الكونية بين أولئك الذين يكدحون من أجل العيش تمثّل بالنسبة لي الأكثر سموّا والأكثر نبلا على الأرض. هذا هو وطني وأفضل التخلّي عن حياتي على خيانة هذا المبدأ». كان ذلك هو خيار حياتها الذي أكّدته باعتباره «التزاما كاملا» ظلّت وفية له حتى النهاية وفي مختلف الظروف.
إن هذه الرسائل تعيد قارئها أيضا إلى الأجواء التي عاشتها روزا لوكسمبورغ، بل وتدعوه إلى «المشاركة» في تلك الحوارات ـ عبر الرسائل ـ بينها وبين عدد من صديقاتها، وخاصة مع «سكرتيرتها» ماتيلد جاكوب. وتبيّن هذه الرسائل مدى تعلّق روزا بصداقاتها وحرصها عليها.
كما تشير رسائلها إلى صديقتها «لويز كاوتسكي»، على الرغم من الخلاف السياسي الكبير بينها وبين زوجها كارل كاوتسكي، الذي كان أحد رموز اليسار الألماني آنذاك. لكن بنفس الوقت يُستشفّ أن روزا لوكسمبورغ كانت تعيد سيطرة الرجال على النشاط السياسي إلى «الإرث الذكوري» الذي لم يتخلّ عنه حتى أولئك الذين كانوا ينادون بالمساواة بين الرجل والمرأة.
لكن يبقى الوجه الأهم في رسائل روزا لوكسمبورغ هو ما تبرزه من أبعاد إنسانية في شخصيتها، كانت قد جرت العادة لدى أولئك الذين تعرّضوا للحديث عن سيرة حياتها طمسها إلى حد كبير بحيث لم يروا فيها سوى صورة «المناضلة». إنها تحكي في رسائلها عن انفعالاتها وتعلن عن أحاسيسها ولا تبحث أبدا عن إخفاء دموعها. باختصار تؤكد روزا لوكسمبورغ على أنها أولا وأساسا إنسانة مثل غيرها، لكن القدر دفعها نحو «دوّامة التاريخ».
تقول في رسالة لها إلى لويز كاوتسكي: «ينبغي أن يكون هناك من يصدقني عندما أقول إذا كنت أدور في إطار دوّامة التاريخ، فهذا قد حدث عن طريق الخطأ. وفي حقيقة الأمر أنا أصلح لرعاية طيور الأوز». وتقول في رسالة إلى سونيا ليبكنشت: «أجد نفسي أكثر تصالحا مع نفسي وفي بيتي عندما أكون في زاوية حديقة محاطة بالعشب مما عندما أكون في مؤتمر للحزب».
المؤلفة في سطور
كانت روزا لوكسمبورغ، أحد أشهر المفكرين اليساريين في مطلع القرن العشرين. وكانت من بين القلائل الذين أعلنوا معارضتهم الصريحة للحرب العالمية الأولى. أمضت قسطا هاما من حياتها في السجون الألمانية. هاجرت إلى أميركا واكتسبت جنسيتها.لها العديد من المؤلفات في عدادها: «مدخل إلى الاقتصاد السياسي» و«الثورة الروسية» و«الإصلاح الاجتماعي والثورة»، الخ.
الكتاب: روزا، الحياة
تأليف: روزا لوكسمبورغ
الناشر: فرانس كولتور اتولييه باريس 2009
الصفحات: 249 صفحة
القطع: المتوسط
Rosa, la vie
Rosa Luxemburg
France Culture-Atelier- Paris- 2009
5

