عادت منطقة القوقاز للظهور على المسرح الدولي بقوة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. والباحث السويسري «فيكن شيتيريان» يبحث في كتاب صادر عن جامعة كولومبيا مسائل «الحرب والسلام في القوقاز»، كما يقول العنوان الرئيسي.

وذلك على ضوء «النزاع الاتني والجيوسياسات الجديدة»، كما جاء في العنوان الفرعي.ينطلق المؤلف في تحليلاته من القول أن دول منطقة القوقاز عرفت طيلة الثمانية عشر عاما التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، أي منذ أن نالت استقلالها، بأغلبيتها، حالة من الحروب شبه المستمرّة. ويقول أن الأسباب الحقيقية لهذه الحروب توجد في «التاريخ المعقّد» لهذه المنطقة من العالم ولكن التي عرفت حالة من الاستقرار «القسري» في ظل النظام السوفييتي. وما أن أطيح بهذا النظام وتحلل الاتحاد السوفييتي حتى عاد «التاريخ المخبوء» إلى الظهور على هيئة مجابهات عرفتها مناطق عديدة وحيث كانت البؤر الأكثر اشتعالا هي كاراباخ العليا والمنطقة الشيشانية وابجازيا واوسيتيا الجنوبية.

إن المؤلف يبحث في مسألة «الحرب والسلام في القوقاز» من خلال ثمانية فصول هي بالتتالي: نهاية الاتحاد السوفييتي وصعود المشاعر القومية، النزاعات التاريخية في القوقاز وأصولها الفكرية، النزاع على كاراباخ، جيورجيا من التحرر الوطني إلى بناء الدولة، حرب القوقاز الثانية، مصادر النزاع، فشل الدبلوماسية وأخيرا البترول وخطوط البيبلاين والجيوسياسات الجديدة.

إن النزعات القومية لم تنته عندما كان الاتحاد السوفييتي قائما، ولكن المؤلف يؤكد في تحليلاته أنها لم تكن أبدا السبب في نهاية الدولة السوفييتية. لكن بالمقابل عندما انهارت الدولة الشيوعية عادت النزعات القومية للظهور وتزامنت مع ظهور أشكال من القلق تعاظمت شيئا فشيئا.

وجرت ترجمة ذلك القلق في عدة حروب. هذه الحروب لها أسبابها الخاصة والتاريخية وجاء السياق الذي عرفته الأحداث في المنطقة كي يساعد على نشوبها. ولا يتردد المؤلف في القول بهذا السياق أن روسيا ربما كانت «متواطئة» في مختلف هذه النزاعات مع هذا الطرف أو ذاك لكنها لم تكن أبدا هي «جوهر المشكلة».

ويشير المؤلف إلى ظاهرة مزدوجة رافقت انهيار الاتحاد السوفييتي وتتمثل في سقوط دولة، الدولة السوفييتية، وبناء دول أخرى، هي دول القوقاز وعموم آسيا الوسطى.

وعلى مثل هذه الخلفية برزت مفاهيم عديدة من جديد تتعلق بـ «القومية» و«النزعات الانفصالية» و«الحدود الوطنية» و«الدولة المستقلّة». وهذه المفاهيم كلها أخذت دلالات متنوعة.

ويسأل المؤلف: «هل كان الأمر يتعلّق بسقوط أم بسقوط إمبراطورية»؟ وفي معرض الإجابة يميّز المؤلف بين آليات سقوط الإمبراطوريات السابقة مثل الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية النمساوية-الهنغارية اللتين انهارتا نتيجة حرب طويلة وبين انهيار الاتحاد السوفييتي «السريع» زمنيا وبدون أية حرب، مما لا يسمح أبدا بالحديث عن «تحرر وطني» على غرار المطالب التي رفعتها حركات التحرر من الإمبراطوريات الاستعمارية.

الاتحاد السوفييتي سقط وسقطت معه رؤيته إلى العالم وإلى بلدان الجوار التي شكّل قسم كبير منها «جمهوريات» في العهد السوفييتي. بكل الأحوال يعتبر المؤلف أن «انهيار الاتحاد السوفييتي» يشكل «عاملا مركزيا» في نشوب النزاعات بمنطقة القوقاز. ومثل هذه الحقيقة تتجاهلها الدراسات عامة، كما يشير المؤلف أيضا.

إن المؤلف يقدم شرحا تاريخيا مطولا يميل فيه للتأكيد على الأصول الأرمينية البعيدة لكاراباخ. لكن النزاع القائم والمستمر حتى في الاتحاد السوفييتي، خاصة بعد وفاة ستالين عام 1953، كان وراء قيام ما يسمى بـ «مسألة كاراباخ» على خلفية التنازع بين عدة أطراف للسيطرة على هذا الموقع الإستراتيجي «المطلّ» على آسيا الوسطى ووصولا إلى «المياه الدافئة» في منطقة الخليج.

وعلى غرار «كاراباخ» هناك نزاع أيضا بين روسيا وجيورجيا حول منطقتي ابخازيا واوسيتا الجنوبية اللتين أعلنتا مؤخرا استقلالهما السياسي يدعم عن روسيا. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى الرهانات الإستراتيجية التي تمثلها هاتان المنطقتان والتي تتجاوز كثيرا حدودهما «الوطنية».

إن روسيا تعتبر ابخازيا واوسيتا الجنوبية جزء من مجالها الإستراتيجي الحيوي الذي لا يمكنها أن تساوم عليه، بل ترى في جيورجيا نفسها جزءً من هذا المجال، والمساومة عليها من زاوية تحالفاتها مع الحلف الأطلسي خاصة، تمثل مساسا بالقوة الروسية نفسها.

ويتحدث المؤلف في هذا السياق عما يسميه: «المنطق العسكري في الحرب الابخازية» والذي لم يكن أمامه أية نتيجة ممكنة سوى «هزيمة جيورجيا»، رغم الدعم الأميركي.

ويطلق المؤلف على الحرب الشيشانية التي شرعت فيها روسيا عام 1994 تسمية «الحرب القوقازية الثانية». ويشير إلى النتائج المأساوية التي أدت إليها على المستوى الإنساني والتي أعقبتها حالة من الفوضى استمرت ثلاث سنوات كاملة إلى أن قرر فلاديمير بوتين سحق ما أسماه بالتمرّد الشيشاني بـ «حملة ثانية». بل وجعل من تلك المسألة الموضوع الأساسي للحملة الانتخابية التي أوصلته إلى سدّة الرئاسة.

واعتبارا من ذلك التاريخ عرفت المسألة الشيشانية تطورا هاما باتجاه تخفيف حدة التوتر مع المركز في موسكو. لكن غالبا ما تخفق الدبلوماسية في هذه المنطقة من العالم، كما يشرح المؤلف على مدى العديد من صفحات الكتاب.

وكتاب يسمح إلى فهم أشكال الاضطراب والتوتر والنزاعات في منطقة القوقاز التي يشكل «البترول» أحد الرهانات الإستراتيجية فيها.

المؤلف في سطور

فيكن شيتيريان كاتب سويسري، يعمل مستشارا خاصا لمجموعة من الشركات حول أفق المشاريع في منطقة القوقاز. ويساهم في الكتابة منذ سنوات في عدد من الدوريات في مقدمتها «لوموند ديبلوماتيك» الفرنسية.

الكتاب: الحرب والسلام في منطقة القوقاز

تأليف: فيكن شيتيران

الناشر: جامعة كولومبيا 2009

الصفحات: 389 صفحة

القطع: المتوسط

War and peace in the Caucasus

Vicken Cheterian

Columbia University Press- 2009

389P.