الفكرة الشائعة في الغرب اليوم هو أن المجتمعات الغربية مأزومة. مظاهر هذه الأزمة عديدة، أحد هذه المظاهر تحدده الفيلسوفة الأميركية افيتال رونيل بالقول أن الحقبة التي نعيش فيها هي بامتياز «حقبة التجريب والاختيار وامتحان القدرات المستمر». وهذا ما تشرحه في كتابها الأخير الذي يحمل عنوان «أمام الامتحان».
ينطلق هذا الكتاب من القول إن البشر أصبحوا في حالة مواجهة مستمرة لاختبارات وامتحانات ذلك أن الأمكنة والمجالات التي يتم فيها «تقييم» قدرات الإنسان تعددت وتنوّعت. وتسأل المؤلفة: لماذا أصبح مفهوم الامتحان هو الذي أصبح يمثّل قبل أي شيء آخر علاقة البشر بالحقيقة؟ إن الإجابة على هذا السؤال تجدها المؤلفة في وجود نوع من «غريزة» الامتحان. وهي تعود إلى الحقب السحيقة في القدم كي تؤرّخ لهذا المفهوم «مفهوم الامتحان».إن المؤلفة تطرح سؤالا بسيطا في البداية مفاده: «لماذا نميل نحو وضع أنفسنا أمام الاختبار، وإخضاعنا له ولمقاييسه، بل وإخضاع القريبين منا له أيضا بحيث نجعل منه ممارسة تشغل جزءً من حياتنا كلها»؟
عبر الإجابة على مثل هذا السؤال تؤكد المؤلفة على القول أن إرادة التقييم تخفي في واقع الأمر «مفهوما حسابيا لأي نشاط مهني، دون الاهتمام بالأفق الذي يتم فيه النشاط المعني.
والصعوبة في مثل هذه الممارسة تأتي من تصوّر أيها قد تكون طريقة عادلة وملائمة من أجل التحقق من كفاءة العاملين ومن حماسهم للعمل. بتعبير آخر هناك منطق أساسي سائد هو منطق الحساب والأرقام. وهنا تبرز مشكلة جديدة تطرحها المؤلفة عبر تساؤلات من نوع: كيف يمكن مثلا تقييم الإلهام أو الموهبة؟ وكيف يمكن تقيام عمق وطاقة العقل المفكّر؟
وتلجأ مؤلفة هذا الكتاب في تحليلاتها إلى عدد من المرجعيات الفلسفية والإيديولوجية من أجل الخوض في مسألة البحث عن الحقيقة عبر تعريض المعنيين فيها إلى الاختبار عبر سلسلة من الامتحانات. وتاريخ المساءلة «وضع البشر أمام الامتحان» تجد أصولا في التاريخ الغربي لدى اليونان القديمة. وتشير المؤلفة إلى أن أرسطو كان هو أول فيلسوف ينتقد اللجوء إلى التعذيب الذي كان يمارسه مواطنو اثينا القديمة ضد العبيد لانتزاع الحقيقة منهم.
إن إقامة علاقة بين الحقيقة وبين الامتحان «الاختبار» بدأت إذن مع اليونان لكنها استمرّت، كما تشير المؤلفة، في الفكر المسيحي عبر عمليات «امتحان الضمير». ثم تناولها الأدب والفلسفة، وتقوم المؤلفة في هذا السياق، على خلفية تكوينها الفلسفي، برحلة في «مغامرة» الفلسفة الغربية منذ أصولها القديمة ووصولا إلى جاك ديريدا أو مرورا بفرويد ونيتشه وغيرهما.
ولكن أيضا تبدّت في النصوص الأدبية التي تمثل كتابات فرانز كافكا مثالا لها، خاصة في عمله المعروف «المحاكمة» وعمله الآخر «القصر». وتتم الإشارة إلى أن هذا الكاتب التشيكي الشهير كان مسكونا دائما ب«أزمة الحداثة» ورسم في كتاباته الأجواء المأساوية «السوداء» حيث مارست البيرقراطية والمجتمع ذو السلطة المطلقة هيمنة كاملة على الفرد الذي وجد نفسه أمام امتحان مستمر.
وتشرح المؤلفة الآليات التي أدت في المجتمعات الحديثة إلى وضع «كل شيء» و«كل بشر» أمام امتحان الحقيقة. وهذا يعني في عمقه ضياع الكثير من المرجعيات العقائدية وغيرها التي كانت تشكّل لأنصارها إجابات شافية عن الحقيقة اليوم أصبح كل شيء خاضعا لسالحساب» بهذا المعنى أصبح هناك ميل للكشف عن كل «مناطق الحقيقة» وعدم ترك أية «منطقة» منها تحت ستار كتوم.
تتم الإشارة في هذا السياق إلى رواية «مدام بوفاري» التي يرسم فيها مؤلفها غوستاف فلوبير المواجهة بين الذهنية التي تحسب كل شيء، التي تمثلها في الرواية شخصية هورمي وبين ذهنية شارل بوفاري، الطبيب الذي كان يمارس مهنته «على الطريقة القديمة».
ما تؤكده المؤلفة هو ممارسة «امتحان الحقيقة» تعود إلى حقب قديمة جدا، لكن منذ فترة وجيزة غدت بمثابة مسألة «فلسفية» في منتهى الأهمية ولكن أيضا في «منتهى الخطورة». وفي الماضي كانت الذهنية «الحسابية» تجد باستمرار من يعارض «جنوحها».
لكن القرن العشرين غدا بامتياز هو عصر «مواجهة امتحان الحقيقة» من قبل الفرد حيال ذاته ولكن أيضا حيال الآخرين.ولا تتردد المؤلفة في القول إن «الوسواس المعاصر» للتقييم الكمّي لكل شيء في القرن العشرين هو وراء جميع كوارثه التي تبلورت عبرها رؤية محددة للإنسان. رؤية تبنّاها الغرب وبنى على أساسها ممارسة «وضع الآخرين أمام الامتحان»، وهي رؤية اعتبرت أنه كل شيء قابل للحساب وقابل للبرمجة الممثلة يستدعي شيئا من المخاطرة والميل نحو سبر أغوار ما هو غير محسوب و«غير مرئي».
وتصل المؤلفة إلى القول أنه هناك خطر أن يصبح الجميع وفي كل مكان مثل «حيوانات الاختبار» بل أمل وبلا فرح. وهذا يعني البؤس الحقيقي في حياتهم. لكن المستقبل يبقى مجهولا.
المؤلفة في سطور
تعمل افيتال رونيل، أستاذة للفلسفة في جامعة نيويورك. وهي في عداد المناضلات الأميركيات المعروفات في ميدان حركات الدفاع عن حقوق المرأة. وقد وصفتها مجلة «روشيرش ماغازين» أنها «أخطر امرأة في الولايات المتحدة». من كتبها «كتاب الهاتف».
الكتاب: أمام الامتحان
تأليف: افيتال رونيل
الناشر: جامعة اللينوا 2008
الصفحات: 384 صفحة
القطع: المتوسط
The test drive
Avital Ronell
University of Illinois Press- 2008
384P.

