ثمَّة علاقة متينة بين الشاعر الألماني يوهان فولففانغ غوته 1749-1832 وحكايات «ألف ليلة وليلة»، هذا ما يراه كل من د. نبيل حفار ود. حنان المالكي.إذ كان غوته يقارن نفسه بشهرزاد، وبوعي تام وعلى نحو مستمر.
وهذه المقارنة تكشف عن مناحي شاعريته التي كانت تبدو لدارسيه والمعجبين به غاية في التعقيد. ويفسر لنا هذا الأمر ولعه بنوع معين من أنواع التركيب التوليدي أو الاستطرادي المميز لأسلوب «ألف ليلة وليلة» وشغفه باستخدامه في بعض مؤلفاته. كما أن تأثير غوته لم يقتصر ب«ألف ليلة وليلة» على بنية الشكل الفنية، فقد استلهم في حالات كثيرة موضوعاتٍ ملموسة من هذا الأثر الأدبي العربي، إذ يعثر المرء في حكايات غوته الفنية على وفرة من السمات المستقاة من «ألف ليلة وليلة»، إذ ينطبق هذا مثلاً على حكايتيه «باريس الجديد» و«ميلو زينة الجديدة» مثلما ينطبق على الحكاية الخرافية التي وردت في قصته «أحاديث مهاجرين ألمان».
أما في «سنوات تجوال فيلهلم مايستر» فيلمِّح الشاعر بصورة جلية إلى قصتي «علاء الدين والمصباح السحري» و«حلاق بغداد»، وفي الجزء الأخير من روايته «الأنساب الممتازة» استعان غوته بقصة «أبو الحسن وشمس النهار»، في حين نجد أنه قد استفاد في حكايته التي حملت عنوان «أقصوصة» من «حكاية الأمير أحمد والجنية باريبانو».
ومن أكثر الأمور إثارة للدهشة تلك الآثار التي تركتها «ألف ليلة وليلة» في القسم الثاني من «فاوست» حيث توجد مشاهد كبيرة تحاكي حكايات شهرزاد.
كما تأثر غوته بالشعر العربي والقرآن الكريم، فقد تعرَّف على «المعلقات السبع» في عام 1783 عندما ظهرت الترجمة الثانية لوليم جونز متضمنة النص العربي المطبوع بالحروف اللاتينية مع الترجمة الانكليزية.
ولا جدال في أن ذلك قد حفز غوته على ترجمتها إلى الألمانية، لأن غوته نفسه ذكر ذلك في رسالة إلى صديقه (كارل فون كينبل 1744-1834) بتاريخ 24/11/1783 قال له فيها: إن جونز الذي نال شهرة واسعة عما بذل من جهود في سبيل الشعر العربي، قام بنشر المعلقات السبع مرفقة بترجمة انكليزية، وهي قصائد في جملتها تدعو للدهشة والاستغراب.
كما أنها تشتمل على مقاطع بعضها محبب إلى النفس. كما يقول غوته في موضع آخر: عند العرب الذين يسكنون في بقعة أقرب إلى الشرق، نجد كنوزاً رائعة في المعلقات. ويصف معلقة زهير بن أبي سلمى في يومياته:تتميَّز هذه القصيدة عن باقي المعلقات بروعة أسلوبها وخصائصها، فقد نظمت في إيقاع رصين جاد، وجاءت زاخرة بالحكم والتأملات الفلسفية.
أما عن علاقة غوته بالإسلام وبالنبي محمد (ص) فهي ظاهرة لافتة جداً كما يرى المؤلفان، ومدهشة في حياة الشاعر. فكل الأدلة تشير إلى أنه في أعماق وجدانه على اهتمام بالغ بالإسلام، وأن معرفته بالقرآن الكريم كانت ـ بعد الكتاب المقدس ـ أعمق من معرفته بأيِّ كتاب من كتب الديانات الأخرى، إذ نظم وهو في الثالثة والعشرين من عمره قصيدة أشاد فيها بالنبي محمد(ص).
وعندما بلغ السبعين من العمر أعلن على الملأ أنه ينوي أن (يحتفل في خشوع بتلك الليلة التي أنزل فيها القرآن على النبي (ص)، وأنه لا يكره أن يُقال عنه:أنه مسلم.
كما أن دراساته للقرآن الكريم التي قام بها في عامي 1771و 1772 أسفرت عن التخطيط لتأليف مسرحية «مأساة محمد» 1772، وعلى الرغم من أن هذا المشروع لم يكتمل، إلا أن هناك عدداً لا بأس به من الشذرات من نواتها الأساسية، مدونة ومحفوظة حتى اليوم في متحف غوته في مدينة فايمار. وعلى قصرها فقد تضمنت هذه الشذرات ثناء ومديحاً عظيمين لنبي الإسلام محمد(ص).
أما فيكتور هوغو 1802-1885 الروائي والمسرحي الفرنسي فلم تكن المقاربة الأولى عنده للشرق في «الشرقيات» عابرة فقد كان محظوراً على الشاعر إبداء أي تعاطف مع حضارة «الهلال». فسارع هوغو في بداية طرحه لهذا الموضوع ليسوغ اهتمامه قائلاً: إن المصادفة جعلته يلتقط بسرعة من هذا المنجم الكبير ـ الشرق ـ أحجاراً كريمة.
فتحدَّث عن الشعر العربي ووجد أنه لا يقل جمالاً عن شعر هوميروس، ولا يقل شاعرية وإنسانية عن سفر أيوب. واختار من الشعر الجاهلي قصيدة لطرفة بن العبد، إذ أثار الشعر العربي قبل الإسلام وبعده فضول هوغو، واستشهد بالمتنبي في مقدمة البلاد الخامسة، كما ذكر في حاشيته ديوان «البحتري». كان هوغو يبحث عن كل ثمين، ووجد في الشرق كما يقول: (كل شيء كبير وغني وخصب).
واكتشف (شعراً رفيع المستوى)، وأراد أن يستخرج كل ما اكتسب أهمية لدى حضارة الشرق. ولكن كيف يمكن للشاعر أن يفرض حرية رأيه؟. إن (سوء فهم النقاد) شغل باله، لذا حاول في مقدمتين ألحقهما بديوانه (الشرقيات) الإشارة إلى قلقه، وكشف عن صعوبة تحقيق هدفه الروحاني قائلاً: إذا سئل عما يبحثه في الشرق فسيقول: إنه الجامع.
ثم يتابع د. نبيل الحفار ود. حنان المالكي بحثهما عن فيكتور هوغو كونه شاعر متعطِّش للمعرفة لا يكتب لمصلحة حضارة أو ديانة، أو للطعن في حضارة أو ديانة غير ديانته. فهو كما يقول: (مع كل الديانات) ويمكن أن يكون ضد كل الديانات. كما أن تعصب «شاتوبريان» و«رينان» لا يجري في عروقه.
وبالتالي لا مصلحة له بإبراز أحكام مسبقة سائدة، فهو يهتم بتطور الفكر الديني، وسيتناول بأسلوبه الساخر المعروف الأحكام التي يطلقها بعض الناس على الآخرين مصنفين الناس: هذا مؤمن، وهذا كافر. وتهكم هوغو ليس وليد الساعة، ولا يقترن بموضوع الشرق أو الفكر الشرقي، فمنذ أن كان على مقعد الدراسة عام 1814 كتب: (إذا كان كل من يتبع دين محمد (ص) كافراً فالصيني المسلم كافر إذاً).
لقد وقف هوغو منذ البداية عند كراهية الغربي ونفوره، ومزجه الاعتباطي بين «العربي» و«المسلم»، وكأنه أراد أن يفصل بين السياسة والدين. وعندما بدأ هوغو بطرح موضوع الإسلام في قصائده أدرج كلمات ثلاث: (القرآن ـ محمد. الله) على أساس أنها مفردات خاصة بالدين الإسلامي، وحاول أن يستخرج المخزون الفكري الغربي حول هذه الكلمات قبل أن يقول كلمته، فدخلت هذه الكلمات المعترك السياسي.
بعد الشرقيات أفصح هوغو في مخطوط له أنه يفكِّر ملياً في سبر أغوار الشرق، ورأى أن هناك فكرة شغلت عقل الإنسان منذ نشأته، ولا تزال تشغل فكره باستمرار وتبعث القلق لديه: فكرة الإله، إذ صحيح أن الفكر في رأي هوغو تجاوز مرحلة الوثنية أو تعدد الآلهة فيقول في مؤلفه «ديانات وديانة»: تخلى الفكر البشري عن عبادة الأصنام وشهد بوجود الله عن طريق محمد، ويهوه عن طريق موسى، واختلفت صورة الإله فأصبح واحدا.
غير إن الإسلام أثار اهتمام هوغو فأراد أن يعرف بعمق ما يقال عنه وعن صفاته وقدرته وشريعته، فتناول موضوع الإسلام من جديد في «ملحمة الأجيال» 1859 التي تزامنت كتابتها والحروب والأحداث السياسية غير المستقرة. وكان من الصعب على الشاعر هوغو الفصل بين السياسة والدين، بيد أنه تجنَّب الخوض في وصف المعارك مثلما فعل في ديوانه «القصاص»، وامتنع عن تناول أي موضوع يؤجِّج الخلاف بين حضارتي الشرق والغرب أو يباعد بينهما.
المؤلف في سطور
د. نبيل الحفار كاتب وناقد مسرحي سوري وأستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية. رئيس قسم اللغات والآداب الأجنبية في هيئة الموسوعة العربية. د. حنان المالكي كاتبة سورية رئيسة شعبة الآداب اللاتينية في هيئة الموسوعة العربية.
الكتاب: غوته وهوغو وحوار الحضارات
الكاتب: د. نبيل الحفار ود. حنان المالكي
الناشر: رئاسة الجمهورية هيئة الموسوعة العربية ـ سوريا
الصفحات: 381 صفحة
القطع: المتوس
أنور محمد

