بين مأساتين كانت رحلة حياة الفنان الفلسطيني مصطفى الحلاج... مأساة ضياع وطنه فلسطين عام 1948، ومأساة رحيله في الحريق الذي التهم مرسمه في صالة ناجي العلي بدمشق منتصف الشهر الأخير من عام 2002.

حيث كان يقيم هناك مختتما مسيرة حياة حافلة بالعطاء والإبداع والأمل الذي ظل متوهجا وساطعا في أعماله المختلفة، كأنه بذلك كان يحقق رؤياه التي طالما جسَّدها في أكثر من عمل فني من خلال استخدام أسطورة سيزيف الذي يحمل صخرته على ظهره حتى السفح فتسقط وتتدحرج نحو القاع، فيعود ثانية نحو القاع ليحملها حتى السفح فتسقط وتتدحرج من جديد... وهكذا دون أن يتعب أو يفقد الأمل في بلوغ القمة.درس الحلاج النحت في القاهرة لكنه هجره إلى الحفر على ألواح المازونيت نظرا لعدم قدرته على توفير المكان والاستقرار المطلوبين للقيام بأعمال النحت. كما مارس الرسم بألوان الشمع والألوان الخشبية والألوان الزيتية منفردة ومجتمعة في أعماله المختلفة.

فكان متميزا في كل ما قدمه من أعمال جسدت معاناة الشعب الفلسطيني ومقاومته لتحرير وطنه المحتل وقضايا الواقع العربي السياسية والاجتماعية. في تلك الأعمال التي قدمها كان واضحا التداخل المدهش والعجيب بين الواقعي والأسطوري من خلال استعارته لكثير من الرموز الأسطورية المستمدة من الحضارات القديمة وإعطائها أبعادا ودلالات رمزية جديدة عالية التكثيف في تشكيل غير مألوف لكي تعبر عن رؤيته للحياة والواقع ببعديه الإنساني والوطني. حيث كان يمتح من معين مخزونه الثقافي والبصري الذي يثريه ذلك الحس الأسطوري والشاعري المتدفق عبر تداعيات مدروسة تكتنز بأبعاد وجدانية جعلته يشكل في أعماله المختلفة حالة متفردة تمتلك خصوصيتها الفنية والتشكيلية والبصرية .

ويمكن تلمسها في ما كان يقوله الحلاج عن تجربته التي تحاول أن تبصر ما وراء الليل رغم عتمته الشديدة لأن على الفنان أن يصنع من وجعه ومن عذاباته ومرارات الحياة التي يعيشها أملا بغد جديد يدفع لرفض الاستسلام لليأس والقنوط، كما تحدث في أحد حواراته معي قبل رحيله بشهور قليلة.

لقد ظلت لوحته التي كان يتحاور فيها اللون الأسود مع اللون الأبيض في إيقاع مدهش قائم على الصراع والتآلف معا عالما حافلا بصور اللامألوف من المخلوقات الحيوانية والإنسانية التي يعمل على تركيبها في لوحته من خلال منظور سياسي وفلسفي وبصري خاص حتى تميزت أعماله بذلك الحشد من المخلوقات العجيبة التي تستمد حجمها في اللوحة من خلال ما تمتلكه من قدرة على التأثير والفاعلية.

أو من خلال المنظور السياسي الذي يعمل على تجسيد أبعاده الدلالية كما في لوحة الديك الذي يقف على صخرة يعلن بداية ظهور الفجر إذ يحتل الديك صدر اللوحة وقد رفع رأسه للشروع بإطلاق صياحه إيذانا بطلوع فجر الحرية والخلاص. ويظهر التركيز على البعد الرمزي في اللوحة أيضاً من خلال تموضع المرأة بحجمها الكبير مثلا في مقدمة اللوحة وقد استطالت يدها الممدودة فوق رؤؤس الأطفال باعتبارها رمزا للحماية والعطاء والخير .

وهي تقودهم خلفها في مسيرة الحياة بينما يظهر الرجل مقيدا في نهاية اللوحة وقد أعطى المشاهد ظهره للدلالة على العجز والضعف. وكذلك الأمر بالنسبة للعلاقة بين المرأة والأرض بوصفهما يرمزان للخصب والعطاء مما يجعله يركز على إظهار العناصر الخاصة بالإخصاب عند المرأة في اللوحة كالحوض والبطن والفخذين كما كان الأمر في فنون الحضارات القديمة.

تحتشد مخلوقات الحلاج العجيبة الإنسانية والحيوانية على صدر لوحته الحافلة برموزها وكائناتها وتشكيلاتها التي يعمل على إسقاطها على الواقع، حيث تتولى المساحات البيضاء في اللوحة مهمة تنظيم إيقاع خطوطه السوداء البسيطة والمركبة في الآن معا .

والتي تتراقص على سطح لوحته مستمدة قيمتها الجمالية والتشكيلية من خلال خرقها للمألوف وقدرتها على تقديم صياغات غريبة تحمل في مضمونها دلالات غنية تمتح من ثراء التجربة وغناها تدفقها العفوي والواعي الذي يقيم حواره بين عالم الحضارات القديمة وعالم الواقع الذي نعيشه برهافة وانسجام وجدل يمنح التجربة عمقها ومفرداتها الثرية الخاصة.

تتميز لوحته التي كان يشتغل عليها قبل وفاته تسميات مختلفة أبرزها «ارتجالات وتداعيات الحياة» والنهر الملحمة الأشبه بنهر من المخلوقات والأشكال والتكوينات الغريبة والمدهشة التي تتدفق بتآلف وصراع غريبين يحكمه جدل الأسطوري مع الواقعي الذي يستلهم أبعاده من رموز وتجليات عميقة الغور في التراث الحضاري القديم بعفوية وبرؤية واعية ومدروسة على سطح اللوحة مستندة إلى خزين فكري وفلسفي وبصري كبير ظل يطبع عالم لوحته بخصوصية مميزة محكومة بخطوط تكويناتها المختلفة التي تتميز بجدل مساحاتها البيضاء الموزعة على سطح اللوحة بصورة مدروسة مع خطوطها السوداء التي ينظمها إيقاع رؤياه وخياله الجامح في فضاء الأسطورة والواقع.

حيث يعيد بناء تكويناتها ذات البساطة الشديدة والتركيب الشديد معا، لكي يعيد إسقاطها على قضايا الواقع الفلسطيني والعربي مشحونة بانفعالات وجدانية وصوفية عميقة وخيال خصب يذهب في كشفه وسرد حكاياته بانسيابية وتركيب مدهش، وكأنه يبني أسطورته الجديدة التي تتداخل فيها أبعاد الزمان والمكان عبر تداعياته الواعية التي تحاول أن تتمثل الواقع والحياة وتمنحهما عمقا وثراء دلاليا نابعا من رؤية ووعي يستحضران صيرورة التاريخ وكفاح الإنسان في بحثه الدائب عن حقيقة وجوده وذاته التي تهجس بقلقها وأسئلتها وأحلامها.

لكن القدر لم يمهله لكي يكمل عمله الكبير الذي أتى الحريق على قسم كبير منه وعلى الكثير من أعماله التي نال عليها الكثير من الجوائز ولاقت إعجاب المتابعين لفنه في عشرات المعارض التي أقامها في العديد من العواصم العربية والعالمية.

الحلاج في سطور

ولد مصطفى الحلاج في قرية سلمة قضاء يافا عام 1938 وكان أول فلسطيني يدرس النحت في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة. ساهم تميزه أثناء الدراسة في إيفاده إلى مرسم الدراسات العليا لدراسة الفن المصري القديم وأثناء ذلك درس فنون الحضارات القديمة البابلية والسومرية والمنظور الفرعوني الذي تتراكب فيه الشخصيات والأشكال فوق بعضها البعض، تستمد حجمها من مكانة صاحبها الاجتماعية والدينية.

بعد إقامته في القاهرة تنقل بين مدن بيروت ودمشق وتونس إلى أن قرر الاستقرار أخيرا في مدينة دمشق حيث أقام في صالة ناجي العلي للفنون حتى رحيله في منتصف الشهر الأخير من عام 2002.

مفيد نجم