الأحذية، الحمير، الأشجار، أكياس النيلون..الريح.. الطمي هي «الشخصيات» التي يستعذب القاص السوداني عبدالغني كرم الله التقاطها دائما ليشكل بها عوالمه القصصية، يقارب أحوالها ومصائرها في علاقتها ببعضها وفي علاقتها بالبشر خاصة في مجموعته القصصية الأولى (آلام ظهر حادة) .

والتي وصفها بعضهم بـ «نقطة التحول في السرد السوداني» كونها لم تأت مسايرة، في مضامينها وتقنياتها، لما رسخ في الذاكرة السردية المحلية، لكنها التمست خصوصيتها في أجواء «كليلة ودمنة» وأحوال المتصوفة المحكية، كما في كتاب «طبقات ود ضيف الله» الذي يؤرخ لسيّر الأولياء الصالحين وكراماتهم في السودان ولئن كانت بعض التجارب القصصية والروائية استندت على هذه العوالم فذلك حصل بصفة أقلّ عمقاً واستغراقاً مما هو في تجربة كرم الله التي تبدأ وتنتهي مفعمة بالخرافات والغرائبيات!«كلبة فاطمة» و«حمار الواعظ» و«رائحة الطمي» و«الجزار ملك الغابة» و«استدراج الفراشة لعرشها المجيد».

و«الدجاجة أقوى من الأسد» و«جزيرة النمل» هذه بعض عناوين نصوصه في «آلام ظهر حادة» التي قوبلت بأصداء نقدية لافتة، وهي بعد لم تستقر كفاية، كما إن كاتبها لم يكن من أولئك الذين تدّرجوا في النشر عبر الملاحق الثقافية في الصحف.

كما هو حال الأكثرية التي تعاني صعوبات جمة نتيجة لضعف حركة النشر محلياً وضعف قابلية أو تحفظ دور النشر العربية في التعامل معها، لكن كرم الله يرى انه (بين يوم وليلة، في عالمنا العربي، والإفريقي العجائبي ـ كأنه مسطور من ألف ليلة، أو كجور، أو أساطير الاشانتي ـ قد يخرج كاتب أو قاص، أو مسرحي، ليس مدحا لتجربتي المتواضعة.

ولكن لأن البيئة المحيطة لا ترعى المواهب، بل ولا تعرفها، وبالأدق تحاربها، لذا فوجئ النقاد في بلدي بكتاب يحمل(آلام ظهر حادة) ومزين بلوحة لبول غوغان، أن (متوالية الإبداع)، التي تنمو من بذرة لشجرة على مرأى من النقد والوسط الثقافي لم تتوفر في بلدي، للحق ألغاز الكتاب العظيم (طبقات ود ضيف)، وعوالمه الموغلة في العجائب هي ما يجري في بلادي، وما جاورها، بحيث تصور الأمور وكأن حاو يخرج الأرانب من كفه)!

مدينة السراب

ويضيف الكاتب: البعد عن وطني، والقراءة المتواصلة، والحنين، دفعاني للكتابة، كيف استدعي وطني العظيم من ذاكرتي وخيالي، ويحج معي للغربة، (أيها الحرف المعذب، أينما تذهب أذهب)، رحل معي الوطن، عبر السطور، رائحة البارود في الجنوب، وأنين الأسرى، ورائحة الطمي، ودراويش حمد النيل، وعوالم (ام درمان مدينة السراب)، وزغاريد سلمان الزغرات.

وهي تشيع في الفلوات قبل أن يخلق الله المذياع، كانت تحوم حول ذهني، وقهرٌ داخلي، يطّن، كما طن حول الأعمى الكبير، أبو العلاء (في اللاذقية ضجة بين أحمد والمسيح، هذا بناقوس يدق وذاك بمئذنة يصيح، كل يمّجد دينه، يا ليت شعري ما الصحيح)، ما الصحيح، ماركس، بوذا، يسوع، أوشو، كارل بوبر، يوسف ابوشر؟ هذا الضلال الجميل سعى كحية موسى في سطور آلام ظهر حادة).

مشاهدات وحنين

وعما يمكن اعتباره من قراءاته ومشاهداته التي كوّنت رؤيته وطريقته في القص يقول: من قال (المعاناة تولد الإبداع).. كم هو صادق، فنار العشق، خلقت قيس ولبنى وروميو وجوليت، ونار الواقع الروسي خلقت تلك الأسطورة الروسية في الرواية، والجوع (خلق محمد شكري وخبزه الحافي وشطاره)، ودكتاتوريات أمريكا اللاتينية، (صنعت معجزة ماركيز وأمادو)،.

وكذا الحال في بلدي، حين أقرأ للجيل الحالي، أحس (بأمن وطرب، بل طرب أصيل)، فالقصة، تسامت لأفاق بعيدة من حيث التكنيك والعمق الفلسفي، وتلاقحت، عبر الكون المفتوح (الانترنت)، وعبر موروث تراثي عظيم (لقارة السودان)، من حيث التاريخ (المعتقدات الكريمة في الجنوب، والمسيحية، بكل شكولها.

والإسلام بكل ألوانهـ (الصوفي/السني/الجمهوري).. تجعل من المثقف السوداني، يملك بيديه كنوز من الثروة (القصصية، والحكائية)، فشوارع الخرطوم، تحت أي شجرة (ضاربة ودع) تقرأ الغيب، ودرويش ثمل، وشجرة زرعت في العصر التركي، وضريح لولي (مات مجازاً)، تتحلق حول ضريحه النداءات كلها، في فتح لعوالم مغلقة، كما أن (الأزمة السياسية المتواصلة)، تغرق المثقف في دوامتها للبحث عن مخرج (مثل أي مفكر أو سياسي)، بل الأدب يتسامى لبحث جوهر الإنسان..)

أنوارهم وأذكارهم

أما عن رؤيته للمشهد القصصي الراهن في السودان فيقول: جاءت التجارب الحديثة كتتويج لمسيرة طويلة للأدب السوداني، من حكايات (طبقات ود ضيف)، والتي اعتقد أنها (قصص واقعية)، لانفتاح الإنسان على كنوز الغيب، وتفجير طاقات (غير اعتيادية)، حتى كرامات الأولياء، والتي تحكي بصورة شفهية في الموالد وجلسات الذكر، كمادة للتربية (السردية).

في مرحلة مبكرة في حياة الفرد (الفتاة التي طال شعرها وهي ميتة، كما ذكر ماركيز)، لها أصل في الحكي الصوفي السوداني، والواقعية السحرية، تحكى لنا ونحن جلوس على الأرض، في قصة (فاطمة السمحة)، حين يضرب الغول عصاه؛ فيخلق شأن مخالف لعصا موسى، فهو يخلق بحر أجاج، ومن هذا المورث العظيم، وعبر قراءة متأنية للرواد، ولملكة الدار.

وجمال عبدالملك (ابن خلدون) وعلى المك، معاوية نور..، ولدت كتابة مسئولة، تبتكر طريقها بقوة، بـ (سودانوية، محببة، متواضعة)، تشم فيها رائحة الطمي، وتسمع موج النيل الأزرق، وهدير البحر الأحمر، وتكّور ثمر المانجو..، الأدب يبشر بذلك، ألا يسبق الأدب السياسة.. تسبق أنوارهم أذكارهم!

أضرحة وأولياء

يقر كرم الله بأنه لم يكن يتوقع لتجربته أن تحظى بكل هذا الزخم النقدي قائلا: لم أكن أتوقع لها ذلك؛فلا حب فيها، ولا سياسة، وهي تحكي قصة حذاء، يكره الأقدام ويحبها، بربك كيف يلتقيان..!؟) مضيفاً: دفعني بعض الأصدقاء إلى المغامرة بنشر هذه المجموعة وكنت متردداً لو لا إلحاحهم عليّ).

عصام أبو القاسم