لعلَّ حسن بصال هو آخر مغنِّي الموشَّحات الحلبيين، فبرحيله في نهاية شهر سبتمبر 2009 يخسر غناء الموشَّحات أحد أبرز فرسانه الذين تلقُّوا أصول هذا الفن على يد الموسيقار الشيخ عمر البطش، وهو فنٌ، غناءٌ صادف شعبيةً متزايدة في حلب في القرن العشرين ولا يزال.
والموشَّح هو فن شعري معرَّب استحدثه العرب في الأندلس قبل نهاية القرن الثالث الهجري، بنوه على أبيات يغلب أن تكون خمسة، وقد تزيد على العشرة، وأقل ما ترد فيه أربعة. والبيت يتكوَّن من دَوْر وقُفْل، القفل من الموشَّح التام يسمى «المطلع»، فإذا خلا الموشح منه وبدئ بالدور سُمِّي الموشَّح «أقرع» و«التام» ما ابتدئ بالقفل.أما عدد أقسمة الأدوار والأقفال في الموشَّح، فشيء موكول بالوشَّاح يختار ما يراه مناسباً، على أن لا يقل عن اثنين في كل منهما، وقد يزيد في القفل على تسعة أقسمة، وفي الدور على اثني عشر قسماً في الموشَّحات الأندلسية. أما نظام التقفية فيه فيعتمد على المراوحة بين قوافي كل من الأدوار والأقفال، على أنها في الأقفال لازمة تتكرَّر، وفي الأدوار تتغيَّر من دور إلى آخر.
والموشَّح هو أقرب إلى القطعة الموسيقية منه إلى القصيدة الشعرية، وقد لاقى استحساناً واهتماماً في حلب على يد عدد من الموسيقيين مثل الشيخ علي الدرويش، على أن أهم من أبدع فيه تأليفاً وتلحيناً الشيخ (عمر البطش) الذي كان من تلامذته الفنان (حسن بصال)، حيث أخذ عنه الكثير، وقام بتدريس فن الموشَّح لمن يريد من طلاَّب علم الموسيقى بعد رحيل أستاذه البطش، مع أنه كان معروفاً كمغنٍ للموشَّحات أكثر منه مدرِّساً.
تتلمذ بصال على يد أستاذه الشيخ عمر البطش، فتعلَّم منه فنون الموشَّحات وفنون رقص السماح وعلوم الموسيقى والألحان. كما ساهم في عام 1949 بتأسيس إذاعة حلب، وكان في فرقة الشيخ عمر البطش التي أمتعت السامعين بالأغنيات التراثية القديمة التي قدمت في حفل افتتاحها على الهواء مباشرة.
بعد ذلك ساهم حسن بصال في فرقة «أسرة الموسيقى الشرقية» التي أسَّسها عبدالرحمن جبقجي عام 1956، وقدَّمت مجموعة مهمَّة من الموشَّحات والأدوار والقدود والأغنيات القديمة، كما ساهم في نشر فن رقص السماح وذلك من خلال طلابه الذين درَّبهم على إتقان هذا الفن مع الحفاظ على إيقاعاته وحركاته. كما عمل أيضاً مع فرقة «اتحاد العمال» ومن أشهر أعمال تلك الفرقة مسرحية «موعد مع الفجر». ومن موشَّحات الشيخ عمر البطش التي غنَّاها حسن بصال موشَّح «يا عُمَر داري العيون» الذي فيه يُشدو:
قلتُ لما غاب عني نور مرآك المصون
شفَّني والله سقمٌ فيه قد ذرفت المنون
وعيوني من نحيبي جارياتٍ كالعيون
وجفوني ما كفاها ما جرى حتى جفون
هامَ قلبي زادَ وجدي فمتى وصلك يكون
غابَ عن عيني الصبا يا عُمَر داري العيون.
ومن موشَّح «القلب الحزين» غنَّى:
يا رفيقَ العمر دعْ كأس الطلا خمرة الأعناب لا تنسي الجراح
وارحم القلب المعنَّى بالهوى أقبل الليل فهل يأتي الصباح
نامت الأطيار في عشِّ المنى وانتشى النسرين بالراح المباح
يا نديماً ذاب شوقاً وجويً صوتك العاني لقد أشجى الأقاح
وكان الفنان حسن بصال تحدَّث عن تجربته قائلاً: لقد وهبتُ نفسي للفن وليس للكسب من ورائه، لأن المبدأ الذي أحيا من أجله في هذه الحياة هو ليس للكسب المادي، وإنَّما للكسب المعنوي، لذلك لم أبحث عن المال مثلما فعل الآخرون وأصبح لديهم ما أصبح، فأنا إنسان قنوع والقناعة كنز لا يفنى.
وأذكر في عام 1978 أننا دُعينا أنا و«نديم الدرويش» إلى ألمانيا وهولندا، وقدَّمنا هناك «العرس الحلبي» ونال الإعجاب، وعلى إثرها طلبوا مني تدريس (الإيقاع) في المعهد العالي للموسيقى العربية، وكان يومها قد نالت سورية المرتبة الأولى، وعندما رأيت ذلك على اللوحة بدأت بالبكاء من فرحتي.
بصال في سطور
ولد الفنان حسن بصال في حلب عام 1926 في حي «الجبيلة» أحد الأحياء القريبة من القلعة، وبرزت موهبته وهو على مقاعد الدراسة، إذ كان يشارك في الأنشطة الفنية كالمسرحيات والاسكتشات الغنائية، وكان أهمها اسكتش «الأم والحطَّاب» من ألحان جلال الدين عقيلي وجميل جوخدار واسكتش «حول يا غنام».
أنور محمد

