إذا كان من الممكن إطلاق صفة عامة تغطي تجربة الفنان التشكيلي السوري وليد الشامي، فلا شك بأن تلك الصفة لا تخرج البتة عن إطار التنوع في المدارس الفنية والقفز والخلط بينها برشاقة تخدم بصورة مباشرة ومذهلة الموضوع الفني المراد طرقه .

وكأن الفنان يدفع بالمتلقي إلى الشعور بأنه يقف على حالة استعراضية لمكنونات ومقدرات فنان قد يبدأ رسم لوحة انطلاقا من عناصر مأخوذة من الطبيعة الصامتة وينتهي بالتكعيبية مرورا بالمدرسة الانطباعية أو التجريدية أو حتى الحروفية.«مسارات» التقى الشامي على هامش معرضه الأخير، الذي ضم أكثر من 50 لوحة له واحتضنته أروقة ندوة الثقافة والعلوم بدبي في شهر نوفمبر الماضي.ما هي المدارس التي يعمل عليها الفنان وليد الشامي؟أنا أعمل على كافة المدارس الفنية في آن وليس هناك مدرسة بعينها معتمدة في أعمالي، حيث يمكن أن تجد في العمل الواحد جوانب من المدرسة التجريدية والواقعية والسريالية والتكعيبية، لكن ربما خضت تجربة المدرسة الفنية الواحدة في بداياتي الفنية.

هل هناك الكثير من الفنانين التشكيليين الذين ينتهجون هذا المنهج الذي يخلط ويجمع بين أكثر من مدرسة فنية في عمل واحد؟لا، ليس هناك الكثير، فلكل فنان شخصيته وتجربته الفنيتين اللتان تميزانه عن غيره من الفنانين.ما هي الفلسفة التي يقوم عليها هذا الخلط بين المدارس الفنية في العمل الواحد؟أنا أعتبر ذلك نوعاً من القوة، قوة في الفن، في الرسم، في اللون، فضلاً عن أن هذا الأسلوب ينطوي على نوع من استعراض الإمكانيات والمهارات الفنية التي يجيدها الفنان شرط ألا يتسبب هذا الخلط بنوع من الإرباك في عملية تكوين اللوحة.المهم هنا هو أن كل تلك الخطوط والألوان والظلال نابعة من شخصية واحدة بغض النظر عن اختلاف الموضوع في اللوحة الواحدة فالرؤية الفنية هنا هي نفسها طالما أنها نابعة من مخيلة فنان واحد هو الحامل الأول والأخير للعمل الفني مهما تنوعت العناصر الموظفة فيه.

حيث يمكن أن يجتمع البورتريه مع الحرف مع الشجرة في آن معا، لكن من ينظر إلى كل هذا الخليط، فإنه لن يجد سوى روحية واحدة تقوم على مفهوم واحد للعمل. بعض الفنانين أسميهم «ختما»، حيث يلجون إلى عالم التجريد ولا يستطيعون الخروج منه إطلاقا ويقفون عاجزين أمام التعبير عن مكنوناتهم بحرية بحيث تتحول طريقة الرسم إلى ختم يحاصر الفنان في كل توجهاته الفنية.

هذا يعني أن البطولة المقام تذهب إلى شخص الفنان وليس المدرسة الفنية أو المدارس الفنية التي يتبعها..

من نافلة القول إن البطولة تذهب للفنان أولا ومقدرته ومدى امتلاكه لتقنيات السيطرة على الموضوع الفني. تصور شاعرا لا يعرف الأوزان الشعرية أو موسيقي لا يعرف المقامات الموسيقية. ومن المؤسف أن بعض الفنانين لا يستطيعون رسم تفاحة رغم أن لهم باعاً في ميدان الفن التشكيلي لا بل إن من بينهم مدرسين للفن.

هل هذا مرتبط بواقع أن الفن الحديث ينحو إلى التجريد دائما؟

الفن الحديث ينحو نحو الهاوية والابتعاد عن الفن.

أي أن الهروب إلى التجريد هو في الوقت نفسه هروب من العناصر الكلاسيكية للفن التشكيلي والأسس الحقيقية للمدارس الفنية، حيث يهرب الرسام الذي لا يجيد رسم تفاحة إلى التجريد ليغطي هذا عيوبه..

صحيح، ولكن كيف سيرسم هذا الفنان تفاحة من منظور تجريدي وهو لا يعرف رسم التفاحة عينها من منظور الواقعية أو الطبيعة الصامتة؟ كي نصل إلى مستوى التجريد يجب أن نمر بجميع المدارس الفنية الأخرى، أي يجب أن يكون الفنان متمكن من كافة المدارس الفنية قبل أن ينتقل إلى التجريد، وهذا يعني أن الانتقال إلى هذه المرحلة الفنية الحساسة والعقدة يجب أن يقوم على المعرفة.

نرى في يومنا هذا الكثير من الأعمال التي تنسب إلى تيار الحداثة أو ما بعد الحداثة والتي لا ضوابط فنية فيها بحيث توصلك إلى نتيجة مفادها أن كل إنسان بوسعه أن يكون فناناً.

هذا ما يمكن أن نسميه الاستسهال في الفن وفي واقع الأمر، فإن أصحاب هذا الأسلوب يساهمون في تدمير الفن عموما، حيث أصبح من الممكن أن ترى عجلة سيارة أو دراجة أو سلة مهملات أو كرسي حمام أو حتى لوحة إعلانات وقد تحولت إلى عمل فني تستقبله أهم المعارض في العالم.

أين يجد الفنان وليد الشامي نفسه بين الفنانين التشكيليين السوريين مع الأخذ بعين الاعتبار عراقة تجربتك الفنية الممتدة من سبعينيات القرن الماضي؟

أعتبر نفسي أني أنتمي إلى مجموعة معينة من الفنانين السوريين، لكن فيما يتعلق بالشهرة فإني أستطيع القول إن الحظ لم يحالفني على هذا الصعيد ومن المؤسف القول إن بعض الفنانين قد أخذوا شهرة لا يستحقونها.

حسنا، ما هي أسباب ذلك برأيك؟

أعتقد أن المسألة متعلقة بوسائل الاعلام والمؤسسات القائمة على الشأن الفني، حيث تقوم «غاليري أيام»، على سبيل المثال، بضخ الكثير من الأموال وترفع من شأن فنانين ربما ليس لهم علاقة بالفن، بالطبع هناك بعض الفنانين الجيدين، لكن هناك فنانين تستأجرهم وتوقع عقود سخية معهم وتعطيهم بضعة آلاف من شهريا مقابل رسم لوحات على الطلب تسهيلا لبيعها، ويمكن القول إن أسباب هذه الظاهرة تتعلق بدور الإعلام والمؤسسات التي تقوم بتلميع هذا الفنان والتعتيم على ذاك الفنان، الأمر الذي ترك آثارا سلبية على الكثير من الفنانين الجيدين.

لكن ضمن أي جيل من الفنانين يضع وليد الشامي نفسه؟

يمكن القول اني أنتمي إلى جيل ما بعد الرواد في سوريا، أي ما بعد فاتح المدرس، نصير شورى محمود حماد، اسعد عرابي، عبد الله مراد، الصابوني من بين فنانين آخرين. ومن بين أبناء جيلي يبرز يوسف عبد لكي وعدنان فرزات وغيرهم ممن ذاع صيتهم، في حين أعتقد أن لم الحظ لم يحالفني على الصعيد الإعلامي، حيث لم يسبق وأن ساندني أية مؤسسة إعلامية أو فنية لا عامة ولا خاصة، علما بأني في السبعينات كنت مشهورا أكثر من الوقت الراهن.

أي من الفنانين السوريين أو العرب الذي يستهوي الفنان وليد الشامي؟

يستهويني كل فنان مخلص لعمله، على غرار لؤي كيالي، فاتح المدرس، أحمد رائد السباعي، الذي لحق به ظلم كبير في الحقيقة رغم أنه ليس هناك أي فنان حمصي لم يمر عليه ولم يستفد من تجربته الفنية ويتعلم منها.

لكن من هو الفنان الذي تميل إليه أكثر من غيره أو الفنان الذي تدهشك أعماله وتشعرك بأنك تقف أمام عمل مكتمل؟

الفنان نذير نبعة على مستوى سوريا والسجيني من مصر الذي تأثر به غسان سباعي ولفيف من الفنانين المصريين والعرب والسوريين أيضا بما فيهم نذير نبعة لا سيما في بداياته الفنية.

ماذا عن الجانب التجاري في العمل الفني خاصة وأنك تملك صالة عرض فنية في مدينة حمص؟ كيف يستقيم الأمر حين يكون الفنان صاحب صالة عرض تسعى إلى تحقيق مردود مادي مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك حالة من التناقض بين شقي هذا المعادلة، أي بين الفن والتجارة أو بين الفنان وصاحب الصالة، الذي يحاول دائما استغلال الفنان خاصة إذا كان الأخير فنانا مغمورا؟

في ما يتعلق بصالة العرض التي أملكها فإنها كانت خاسرة من الناحية التجارية وبالتالي يمكن اعتبارها مشروعا فاشلا من هذه الناحية، لأني أتعامل مع الفنانين بصفتي فنانا وليس تاجرا.

ولذلك فإن جميع الفنانين الذين عرضوا أعمالهم في صالتي لم أتلق منهم أي نسبة أو أي تكاليف أو أي مقابل، حتى أن الصالة تحتوي على غرفة للنوم وكنت أبيع لهم أعمالهم وأعطيهم ثمنها بالكامل وكنت أعتبرهم ضيوفا في صالتي ومن بينهم علي فرزات وممدوح قشلان وآخرهم عبد الكريم فرج، لقد كانت خدمة أقدمها لزملاء لي بينما كنت أعتاش من أعمالي الخاصة. التجارة والفن خطان متوازيان لا يلتقيان أبداً.

ما تحدثت عنه يعتبر أحد جوانب العمل التجاري في الفنون التشكيلية، لكن ماذا عن جانب آخر يتعلق بقيام الفنان بانجاز العمل الفني على الطلب، طلب الزبون الذي يدفع أموالا مقابل الحصول على العمل الفني وفقا لذوقه الخاص على غرار ما كان يحصل خلال عصر النهضة في أوربا عندما كان الفنانون وعلى رأسهم ليوناردو دافنشي حبيسي القصور والكنائس؟

هذا الجانب من عمل الفنان التشكيلي قائم على قدم وساق وأنا أمارسه في حياتي المهنية لكني لا أضع توقيعي على الأعمال التي أنفذها في هذا الميدان، الذي يمثل أحد خطوط عمل الفنان في العالم العربي حيث يجد نفسه مضطرا لممارسة هذه المهنة حتى يتمكن من مواجهة تكاليف المعيشة وتأمين مصدر للرزق.

وهذا لا يشمل الرسم على الطلب فحسب وإنما نسخ لوحات لفنانين آخرين أيضاً. عند هذا المنعطف تلوح في الأفق الكثير من المخاطر التي تتعرض لها الفنون التشكيلية عموما حيث قد ينزلق الفنان ومعه تجربته الفنية إلى مصاف ذوق المتلقي ويبقى حبيسا هناك ويتبادل الأدوار معه في حين أن المسألة يجب أن تأخذ منحى معاكسا تماما، حيث يتعين على الفنان الأخذ بذوق المتلقي والسمو به إلى آفاق أرحب.

بوسع الفنان ترك بصمته الفنية الخاصة حتى في العمل الفني التجاري، لكن يتعين على الفنان ألا يغرق نفسه تماما في الجانب التجاري وأن يبقي عينيه مفتوحتين على الجانب الفني أولا، الأمر الذي يدفعني إلى ممارسة الرسم الحر لمدة تمتد من خمس إلى ست ساعات يوميا.

وذلك حتى أروي بعضا من ظمأي الفني واصقل تجربتي الفنية، فهناك بعض الفنانين الذي سرقتهم التجارة من الفن، أي يجب ألا يطغى الجانب التجاري على الجانب الفني في حياة الفنان، الذي يجب أن يصمد ويحافظ على موهبته بكل ما أوتي من قوة.

ما مدى رضا الفنان وليد الشامي عما نال من جوائز حتى الآن؟

أنا لست راض عن حجم الجوائز التي نلتها حتى الآن، فلقد نلت في حقل تدريس الفن التشكيلي جوائز أكثر مما نلته من أعمالي الفنية، لا بل إن كل المعارض التي أقمتها كانت بجهد خاص مني ولم تحتضنها أي مؤسسة على الإطلاق.

إذا عاد بك العمر إلى مرحلة الشباب والاختيارات المفتوحة، هل كنت لتختار أن تصبح فنانا مرة أخرى، بمعنى آخر، لو لم تكن فنانا ما الذي كنت لتحب أن تكون؟

أكون فناناً، إذا عاد بي العمر من جديد لعملت على أن أصبح فنانا بما له وما عليه وما يحيط به من ظروف سيئة أيضاً.

ما هي الفلسفة التي ينطلق من الفنان وليد الشامي في تجربته الفنية، هل هي الفن من أجل الفن أم الفن الملتزم بقضايا اجتماعية ويحمل رسالة؟

أنا أؤمن بمبدأ الفن للفن بمعناه الإيجابي، لأن مقولة أن الفن له دور يلعبه في المجتمع بعيدة كل البعد عن الواقع ولأن الفن لا يستطيع مواجهة التيارات الاجتماعية الجارفة. الفن في مجتمعنا ليس له أي دور. لكني أحاول دائما أن يتضمن عملي الفني جميع المواصفات الفنية والجمالية المطلوبة، كما أني حريص على أن أرسم لوحة ناجحة، قد تستغرق عملية انجازها شهورا بينما يأتي متفرج ويمر عليها مرور الكرام وقد لا يراها أصلاً.

لكن أحد مقاييس الحضارات عبر التاريخ الإنساني هو الفن.

صحيح، لكني لا أعلم ما هو دوري كفنان تشكيلي إذا كان البعض يعتبر أن دور نانسي عجرم أهم من دوري، وإذا كانت مباراة لكرة القدم تستقطب أربعين ألفا متفرجا بينما لا يزور معارض الفنانين التشكيليين سوى عشرات الأشخاص. وهذا يعني انه ليس للفنان أي دور اجتماعي لأن عدد متلقي فنه ضئيل جدا، ما يجعل تأثيره محدود وانتشاره كذلك حتى أن هناك مؤسسات تقوم بدور تخريبي على هذا الصعيد في مجتمعاتنا.

وليد الشامي في سطور

ولد وليد الشامي عام 1949 في مدينة حمص السورية، تخرج من كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1975، بداء مسيرته الفنية عام 1966 في مركز صبحي شعيب للفنون بحمص..

باسل أبو حمدة