يتنوع حضورُ المصباح في قائمة طويلة من الدلالات والإقامات المادية والمعنوية، يحلُّ المصباح في المجاز ضيفاً عزيزاً لدينا عبر سخائه الأبديّ، فيكون أيٌّ منا في وضعيته بلسانه أو بقلبه أو بكليهما أو بكليته)
ما الذي جعل المصباح مصباحاً، إلا انه يشير إلى ذات الصباح بينما يتطلب ربطُه بالليل، بتوافر عتمة ما تستوجب حضورَه منيراً؟ أي مفارقة في تكوينه؟ حيث لسانُه الوحيد الذي ينطق بالنور: بينما الداعمُ فيوغل في العتمة، في اللامرئيّ. أي اسم يجلو فيه حقيقته ونحن نتوسَّم عالماً شديد الكثافة؟ لكأنه ذاتُ العالم المنشود من الداخل!
يقع المصباح على الحافة المثلى للنهار للنظر في أمره. إنه صنيعٌ نهاريٌّ بينما يقتضي واجبُه في العطاء بضرورة الانزياح كاملاً عن نهاره، يكون المعرَّف باسمه في اللحظة الذي يحدَّد عن أنه محاكي النهارِ، شمسٌ لها ذؤابة، أو مقتبسٌ من الشمس المأخوذة بغرتها المتوهجة، بينما جديلتُها في العمق، وأصولها في مدّها بالطاقة المصباحية!
بين مصباح ومصباح تتنوع الأسماء وتختلف الأمكنة وتتفاوت المقاماتُ، ولكنها لعبةٌ صحبةُ الاسم الواحد ذاته، إذ يكون المصباحُ في المرتجى منه هو حقيقته التنويرية، مذ كان ظهوراً، ومهما تنوعت أوصافه ومعانيه لاحقاً.
يمكن النظر في المصباح باعتباره جسماً حياً في اللحظة التي يحثُّنا على رؤية ما يحيط بنا، على الشعور بأننا في أمان أكثر وأوفر، إنه في واقعه وضعٌ صامت، مهمَل، منسيٌّ، وربما يكون في موقع أقل مكانة، مقارنة مع سواه مما يخص أثاث البيت، وتبعاً لطبيعة البيت والمقيم فيه، حيث العين تتبع حركة أفقية وليس عمودية غالباً، فثمة راحة في هذه العلاقة، أما النظر عالياً.
حيث المصباح يتدلى من السقف، فذلك يتوقف على نوعية الإقامة تلك التي تشد النظر ذاك إلى تجاوز قاعدتها الاستشرافية أو الاستكشافية أو التبصرية للمكان، ليكون المرئي في السقف خاضعاً لنظام جمالي غير مألوف أو مغاير لما هو سائد، كحال (الثريا)، فلا يعود المصباح إلا الاسم المختفي في سواه.
ولكن ذلك ليس أكثر من حيلة لغوية، إنها لغتنا في التعبير عما نريد في الواقع، عندما نخرج المصباح باسمه المعهود من نطاق حرفيته، ليصبح مأهولاً بما هو جديد ولافت، والإنارة تكون ذاتها ولو بنسبة مختلفة.ما يثيرنا في المصباح في واقع الأمر هو طبيعة المصباح، عندما يحيلنا الشكل إلى جانبه الجسمي: قشرته الرقيقة، تلك كساؤه، حدوده الكروية أو المخروطية أو الأسطوانية، أدَمته التي تبرق، تشي بما في الداخل أحياناً.
إن الجسم البللوريَّ الفارط في شفافيّته للمصباح يعِدُنا بضوء وافر وقدرة أفضل في التناظر، كما هو موضوع المظهر وصلته بداخله، ليكون الجسد وحدةَ المصباح، حقيقته الكلية، ونحن نذهب ببصرنا صوب الداخل.
حيث تبرز الفتيلة في قابليتها للاحتراق، وهي بقدر ما تعبّر عن تفانيها المتوخى احتراقاً، بقدر ما يكون الوهج لمَّاحاً، ويثري عالم المصباح في حدوده الخارجية ويضاء المكان، بقدر ما يعزَّز الشعور بالراحة النفسية، فلا ينظَر عالياً بعدئذ، لا يفكَّر في عمل المصباح، إنما يكون العالم الذي يتراءى ملء النظر بإحالة ضوئية منه. تلك مفارقة ساطعة!المصباح: نكران الذات الأقصى.
حيث يتراوح بين نسيان مستمرٍّ، إذ النهار قائم، وتجلّي التذكر مع بدء حلول الظلام، فلا يعود في واجهة الذاكرة سوى المصباح، وفور إضاءته يُنسى أمره مجدداً، في عالم الاهتمامات.في المقابل يصعد الحيُّ بروحه فينا، وهو بكامل أهليّته الإنسانية المعتبَرة، في الموقع المصباحيِّ، موفورَ العطاء دون مقابل يُذكَر، يسمَّى حصراً وقت اللزوم، وكثيراً ما يشمله النسيان جرَّاء عدم المطالبة بالمقتبس روحياً منه.
يتنوع حضورُ المصباح في قائمة طويلة من الدلالات والإقامات المادية والمعنوية، يحلُّ المصباح في المجاز ضيفاً عزيزاً لدينا عبر سخائه الأبديّ، فيكون أيٌّ منا في وضعيته بلسانه أو بقلبه أو بكليهما أو بكليته.
تكون الكتابة ذاتها في ميسمها الإبداعي حضوراً مصباحياً مصحوباً بدخان أو دونه، بحسب خاصية الإبداع، يكون حضورُ الفرد في مجتمعه، بينه وبين نفسه مواجهاً للمصباح، أو في منافسة تنويرية دون إعلان بالاسم، أو مدى صلاحية الاسم، انطلاقاً من حقيقة المسكون بهوى المصباح ونوره، بما يجعله المصباح موضوعاً لخدمة غفل من الاسم، كما هو الجندي المجهول، والمبدع الصامت، والمتفاني بصمت في هواه العاصف به، في عالم إنسيّته.
نشهد هنا تداخلاً في الذين يحتذون بالمصباح مشتعلاً، وفي بعض الحالات تصريحاً مباشراً بالوضع المصباحي لهذا أو ذاك، وما فيه من دعوة إلى أخذ العلم بذلك، إنما يبقى المصباح في اسمه الفعليّ، في مثاله الذي لا يطال خارج كل ادعاء أو دعوة بأي مقابل، ولولا ذلك لما كان هذا التكثيف في المعنى المتعلق بالمصباح وسموّه، هذا الاختلاف القائم بجلاء بين أن يكون أحدُهم مصباحياً في تمامه مدى عمره، أو استعراضياً يصيبه التلف سريعاً!
إبراهيم محمود
