جماليات الاتساع والرحابة من سماتها، لا تعكس الخصائص المعمارية للمكان فقط، وإنما هي عاكسة وراصدة لكل المتغيرات الاجتماعية في المجتمعات المختلفة.. إنها أسطح العمارات العملاقة والمتوسطة من حيث الحجم والشكل، والتي تعرف تقليديا باسم «السطوح». الأسطح في مصر تعكس الحياة الاجتماعية المتغيرة خلال الخمسين عاماً الماضية، فما هي حكاية هذه الأسطح وما هي الرسالة التي تبعث بها من العالي؟

إنها حكاية مجتمع يتأرجح بين المتغيرات الاجتماعية التي حطت برحالها في مصر. فهي مساحات شاسعة مستوية بسيطة التكوين الهندسي، وتعبر عن السهل الممتنع، تحتوي على حجرات واسعة خصصت للخدم الذين يعملون في العمارة التي تتوجها هذه الأسطح، ذات الأرضية الرخامية، ومعظم الحجرات بها هاتف موصل من هاتف المنزل الذي يعمل به الخادم أو الطاهي «الشيف» أو السائق، وهي بذلك تعكس رفاهية الزمن الجميل الذي كان فيه الإنسان والجمال وجهين لعملة واحدة غير قابلة للقسمة على اثنين. ولكن بالمنزل ـ مثل كل المنازل في الزمن الجميل ـ حجرة خاصة بالوصيفة أو «الدادة» التي تقوم بخدمة الفتيات في المنزل، حيث إن من المحظور دخول «السفرجي» أو الخادم لحجرات «البنات» حيث التقاليد والعادات الجميلة المحافظة التي أخرجت أجيالاً من «الهوانم» مثلما عكس ذلك المسلسل الشهير «هوانم جاردن سيتي».

من مهام الوصيفة ـ التي غالباً تكون ربيت في المنزل وهي صغيرة ـ أن تتصل بالخادم وتعطيه طلبية الخبز الذي ستأخذه الهوانم في شكل ساندوتشات محشوة بالأجبان الفرنسية إلى المدرسة، بالإضافة لشرائه كل الصحف والمجلات لسعادة «البك» ليقرأها مع فنجان القهوة التركي بعد إفطار خفيف ليتوجه بعد ذلك للديوان أو لمكتبه الخاص. ويلي هذا الاتصال اتصال آخر بالسائق، ليجهز السيارة التي تقل الهوانم للمدرسة، ويليه اتصال أخير للطاهي ـ الشيف ـ ليأخذ الأوامر من الهانم الكبيرة سواء أكانت الجدة أم ربة البيت ـ امرأة الابن ـ لقائمة الطعام الذي يبدأ بتجهيزه للغذاء. ولكن كيف يتعامل كل هؤلاء مع «السطوح»؟

حسب ترتيب الاتصال من «الدادة» يبدأ كل العاملين في المنزل من ساكني السطوح في «توليع وابور الجاز» لعمل الشاي الصعيدي الثقيل، يشربونه مع سيجارة محلية الصنع ورغيف من الخبز البلدي والجبن الأبيض، ثم يرتدون الملابس الرسمية كبدلة الطاهي ويبدأون يوم عمل، يتمتمون في طريقهم للمنزل بكلمات أصطبحنا وأصبح الملك لله».

. «يارب يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم»، وآخرون يدندنون أغاني الصباح بعد سماعها في الراديو، الموجود في حجراتهم، يهرولون من السلم الخلفي ليدخلوا المنزل من باب المطبخ، هكذا كان المعمار العريق قديماً.

لهم جولة أخرى في الحادية عشرة قبل انتصاف اليوم مع السطوح ـ هي فترة الراحة من العمل والأوامر معاً ـ يصطحبون معهم الفلافل الساخنة والخبز الأسمر والفجل الأخضر والجبن القريش وأطعمة أخرى يتقاسمونها معاً يجلسون في «الوسعاية» وسط السطوح يأكلون ويشربون مزيداً من الشاي الصعيدي، وذلك لمدة ساعة يهرولوا مرة أخرى في المنزل الذي يعملون فيه.

شخصية مهمة جداً من رواد السطوح في العمارات القديمة في مصر ـ وهي «الغسالة» وهي سيدة تتمتع بصحة جيدة، «طول بعرض» ذات بشرة سمراء وشعر مجعد تحت «منديل الرأس»، تحضر للمنزل مرتين أسبوعياً لغسل الغسيل، في زمن لم تظهر فيه «الغسالات الكهربائية».

الغسالة «البشرية» هذه لها حجرة خاصة بها فوق السطوح مغلقة وتحتفظ بمفتاحها العملاق لأن «الطشت النحاس» و«الباستيلا» الخاصة بالغسيل ووابور الجاز، جميعها تقع ضمن مسؤوليتها.. بعد الإفطار تأخذ الغسيل في سلة عملاقة من الخيزران وتصعد من سلم الخدم للسطوح ومعها راديو «ترانزستور» صغير، وتبدأ في الغسيل الذي يستخدم فيه صابون الغسيل المربع الكبير و«الزهرة» لتبييض الملابس البيضاء.

وبعد مرور ساعات من الغسيل «بذمة وأمانة» تبدأ الغسالة في تنظيف الحبال المنصوبة بطول السطوح وتنشر عليها الغسيل وتثبته بمشابك خشبية محكمة الصنعة.

ولكل شقة في العمارة يوم خاص للغسيل، وعلى الغسالة بعد الظهر جمع الغسيل وإحضاره للمنزل قبل المغرب. وتوجد بالسطوح حجرة خاصة لكل منزل مزودة بباب من الحديد لوضع خزين البيت من السمن البلدي والسكر والأرز والعدس والفول والزيت وصفائح الجبن الأبيض الآتية من عزبة الباشا، والطحين والغلال.

فالسطوح في ذلك الزمن كان يعكس خصائص المجتمع المصري وخاصة الطبقات الأرستقراطية التي كانت تسكن العمارات الفخمة في الزمالك وجاردن سيتي والدقي، والتي تمتاز بهذه الأسطح بكل خصائصها، وكأنها سجل اجتماعي لفترة من تاريخ مصر.

وكان يسمح لبنات الأسر المحافظة بأن يصعدن للسطوح ليلة إعلان بداية رمضان حيث يحضرن من حجرة التخزين بصحبة «الدادة» «المكسرات» لزوم سهرات رمضان بجوار المذياع بعد الإفطار.

أما ليلة العيد، فكان مسموحاً لهن أن يستمتعن بالألعاب النارية الملونة التي كانت تطلق من القلعة «قلعة صلاح الدين» التي يمكن مشاهدتها من الأسطح المرتفعة.

والأسطح في مصر هي امتداد للعمارة القديمة، التي تجمع بين الفن الإسلامي والتركي في المعمار، وهو فن يتسم بالرقي والجمال والفخامة معاً، وهي عمارة تتسم بالمباني المكعبة والأسطح المستوية ذات العمدان يدوية النقش والأسوار المزركشة والأرضية الممتدة المكسوة بالرخام أو البلاط من الفرز الأول.

وقد علق «فرانك لويد رايت» عند زيارته لمصر في العام 1958، وخاصة عندما طاف بشوارعها وتعرف على معمارها، وزار مسجد السلطان حسن بقوله في اندهاش: «كيف لقوم كالمصريين لديهم مثل هذه العمارة الرائعة أن ينظروا للعمارة الغربية التي يحاول الغربيون أنفسهم التخلص منها»!

وهناك مساحات من أسطح العمارات يمكن تجميلها بأحواض الزرع كزهور البنفسج والغاردينيا، ويمكن تمديد أسلاك أو حبال رفيعة لتسلق نباتات تتسلق وتمتد عليها مكونة ما يعرف «بالكرمة» وهي غالباً من نبات ورق العنب، وترص الكراسي الملونة ذات الحشيات الملونة تحت التكعيبة لتصعد إلى السطوح الأسرة «ساعة العصاري».

وشرب الشاي أو المشروبات المثلجة كالكركريه وتمرهندي والعرقسوس، وتبدأ حكايات العصاري ولا تنتهي إلا بصلاة المغرب فتمتد الحصر ليقف الوالد أو الجد إماماً ووراءه بقية الأسرة، ثم ينزلون لمنزلهم، ويبدأ الخدم في تحضير وجبة العشاء.

والسطوح يشهد سهرات خدم العمارة معاً، يلعبون «السيجة» ويشربون الشاي الصعيدي، ويتناقلون أخبار المنازل ولكن ليس أسرارها للأمانة والعشرة، وهي قيم زمن جميل انزوى في اللاشعور، واستقر في النفس والوجدان يشكل ذكريات مجتمع رائع بحق.

وكل شقة من شقق العمارة لها يوم مخصص فيه ينظف الخدم التابعون للشقة ـ ينظفون السطوح بماء وصابون ويروون المزروعات، أما حجرة الغسيل فلها طقوس تنظيف خاصة جداً تقوم بها كل غسالة على حدة.

خروف العيد من زوار السطوح قبيل العيد بأسبوع، وهو فرحة كبيرة للصغار بصفة خاصة، ويسمح لهم في هذه المناسبة الصعود للسطح وتقديم البرسيم والفول المدشوش للخراف، وكل شقة تكتب رقمها بالألوان على «فروة الخروف» الكبير ذي القرون الملتوية، وهو يعرف باسم «الحولي»، وقبيل العيد تُسمع «مأمأة» الخراف وكأنها تعزف «لحنها الأخير».

ويلعب السطوح دوراً في الدراما المصرية بصفة خاصة الفن السابع «السينما» فخرج عن معناه المعتاد في فيلم مثل اللص والكلاب المقتبس عن رواية لنجيب محفوظ حيث تحول ساحة للقتال بين الشرطة و«سعيد مهران» الذي لعب دوره شكري سرحان في دراما رائعة، أما في ثلاثية محفوظ فشهد السطوح في منطقة «قصر الشوق» حباً يولد بين كمال وابنة الجيران التي تصعد للسطوح لتضع طعام «الحمام واليمام».

وفي دلال ترمي بعيونها الكحيلة نظرة شقية تؤثر بها في قلب ابن عبدالجواد أو سي السيد فيلعب السطوح هنا دور تصعيد الحب والغرام.

وبرز دور سطح العوامة في فيلم «ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ أيضاً كرمز يجمع فئات المجتمع المصري وقتذاك.

وماذا عن فيلم «البيضة والحجر» للعبقري الراحل أحمد زكي ومعالي زايد لعب السطوح دوراً مهماً في إظهار الشريحة الدنيا من المجتمع حيث جسدت معالي زايد دور الغسالة التي تغسل غسيل معظم شقق العمارة، وبجانب حجرة الغسيل حجرة أخرى يسكن فيها أحد «الكوافيرات» الحريمي المتدني المستوى والذي جسد هذه الشخصية الممثل أحمد خليل.

أما شخصية الدجال التي جسدها أحمد زكي، مدرس الفلسفة الذي طرد من المدرسة عنوة بعد أن حسب على تيار يساري، انتهى به الحال فوق السطوح ليدخل في صراعات مع سكان المكان، وخاصة مع حارس العقار.

كما شهد السطح أيضاً في الفيلم نفسه قصة غرام أحمد زكي ومعالي زايد حيث يخلصها من «العمل» المربوط في «رجل نملة»! وهنا تظهر قمة الشعوذة التي كان مسرحها سطوح هذه العمارة المتواضعة في أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة.

وتعتبر عمارة يعقوبيان، التي بناها المليونير «هاجوب يعقوبيان» عميد الجالية الأرمينية في مصر عام 1934 ـ تعتبر هذه العمارة رمزاً لرياح التغيير التي هبت على مصر بعد ثورة 1952، وذلك من خلال الربط بين تاريخ العمارة وتاريخ ما انتاب مصر في السنوات التي مرت منذ تشييدها.

سكن الأثرياء القدامى من باشوات وبكوات المجتمع المصري هذه العمارة العملاقة والتي استخدم سطوحها للخدم الذين يرتدون الملابس الرسمية عندما ينزلون لمنزل هؤلاء الباشوات والبكوات من عينة «زكي باشا»، ثم استيلاء الضباط بعد الثورة على شقق العمارة، وطرأ هنا تغيير على السطوح، فأصبحت حجراته تؤجر للطبقات المتدنية من المجتمع، كالبائعات في المحلات وصغار السماسرة ومحترفي المهن الصغيرة.

ومن هنا أوضح سطوح عمارة يعقوبيان المتغيرات الطبقية بعد ثورة 1952 والمفارقة هنا ان أسطح العمارات في الزمن الجميل كانت ملاذاً ومكاناً محبباً للمثقفين والشعراء يجلسون تحت كرمة العنب المتسلقة ويقرأون وينظمون الشعر.

وعلى مدى البصر أضواء القاهرة في الليل تداعب الجفون والخيال معاً، فكان الثراء الفكري الذي بدأ من العالي، بالإضافة إلى معظم المتفوقين في «البكالوريا» وهي الاسم القديم للثانوية العامة الحالية، كانوا يترددون فوق السطوح للاستذكار والدراسة حتى أول خيط من فجر اليوم التالي.

وإذا كان السطوح في مصر له رسالة إيجابية رائعة إلا أن بعض الأسطح شهدت نهايات مأسوية من خلال حوادث الانتحار، مثلما حدث وقت وفاة العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ ، فقد سجلت الشرطة وقتذاك العديد من حوادث انتحار المراهقات المعجبات بالعندليب، أيضاً جسد سطوح مجمع التحرير حالات انتحار وشروع في الانتحار، مثلما أوضح ذلك فيلم «الإرهاب والكباب» لعادل إمام، عندما قرر علاء ولي الدين أن يلقي بنفسه من فوق السطح احتجاجاً على زواجه من ابنة خالته، ولكنه تراجع.

غابت زهور البنفسج والياسمين والكرمة عن الأسطح في عصرنا هذا، لحْلْ مكانها أطباق عملاقة «الديش» الموصلة بالكابلات لبث القنوات الفضائية التي لا تعد ولا تحصى.

مشهد صادم مقارنة بالبنفسج الناعس والياسمين والكرمة وعشق المكان في زمن فضّل أن يكون ضمن ذكرياتنا بدلاً من الدخول في صراع مع أزمنة باهتة الشكل جوفاء المعنى.

حراسة الأسطح

هناك الأسطح الممتدة وخاصة في ألمانيا، فهناك تجربة أمنية ألمانية فريدة من نوعها لا توجد ولا تطبق في أي دولة أخرى في العالم، فقد زودت الأسطح الممتدة في ألمانيا بحراسة أمنية «سيكيورتي» كتلك الموجودة في مداخل البنايات في كل مكان في العالم، والهدف من الحراسة الأمنية على أسطح البنايات في ألمانيا هو الحد من الانتحار من فوق الأسطح، بالإضافة لحماية المبنى من العالي أيضاً.

وفي فرانكفورت بصفة خاصة توجد حراسة أمنية مبرمجة بحيث يساعد رجال الأمن الإنسان الآلي أو الروبوت عالي التقنية لحماية المكان من السطو والانتحار والحرائق.

منى مدكور