القناع أو (الماسك) هو وجه مفرغ العينين، وأحياناً الشفاه، يغطى به الوجه لأهداف وغايات عديدة: اجتماعيّة، وتعبيريّة، وتنكريّة، وتزيينيّة واحتفاليّة ... وغيرها.
عرف الإنسان القناع مُبكراً، واستخدمه لغايات تتعلق بالمعتقدات والأساطير، ثم فيما بعد، لغايات تنكريّة تزيينيّة بحتة، لكن بعض الشعوب القديمة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، لا زالت تستخدم القناع، لنفس الغايات والأهداف القديمة المتعلقة بمعتقداتها وأساطيرها القديمة ـ الجديدة. والأقنعة فن شعبي موغل في القدم، بدأ بسيطاً خالياً من الزخرفة والتنميق، ثم تطور ليصبح عملاً فنياً متكاملاً، يجمع بين جملة من الفنون والحرف، منها: النحت، والحفر، والطرق، والرسم، والزخرفة، والقولبة ... وغيرها. مواد ومهام مختلفة والأقنعة أنواع وأشكال، صنعت من مواد مختلفة، ودخلت إليها خامات عديدة، وقد اختص بها فنانون وحرفيون وقدموا من خلالها، أعمالاً فنية رفيعة في مستواها التقاني والتعبيري، وذلك بعد أن تحوّلت إلى مجرد وسيلة للتنكر والتزين، خلال العصور الوسطى وعصرنا الحالي.
إذ كانت الأقنعة لدى الشعوب البدائية، تصنع من قبل أفراد الأسرة، ومن مواد البيئة كالخشب، وجلود وعظام الحيوانات، والشعر والخيطان، وأوراق النباتات، وتُطعم بالخرز والأحجار الكريمة ودروع السلاحف والأصداف .. وغير ذلك من المواد والخامات المتوفرة في البيئة، وفق مفهوم اجتماعي، ورموز ودلالات تشير إليها وتحملها كافة العناصر الداخلة في صنعها، وطريقة توضعها فيه.
فن التمويه والتزييف
والحقيقة المؤكدة، أن القناع أو (الماسك) من الفنون الأولى التي ابتكرها الإنسان، والمتاحف واللقي الأثريّة، تؤكد هذه الحقيقة، ونحن في بلادنا عرفنا هذا الفن مبكراً، فقد وجدناه لدى السومريين والآشوريين وغيرهما، والقناع وفق المفاهيم والدلالات الشعبية، هو شكل من أشكال التمويه أو التزييف، غير أنه في حقيقة الأمر، هو وسيلة من وسائل إذابة الفرد في الجماعة، هذا ما كان في السابق، غير أن الأمر اختلف وتبدل في العصور اللاحقة.
فقد استخدم القناع في العصور الوسطى وما بعدها في أوروبا، بهدف التمويه والتنكر والتخفي. يضعه الإنسان لإخفاء ملامحه الحقيقة، لهدف عاطفي، أو انتقامي، أو سياسي، أو دلالي ... الخ.
ثم ظهر ما يُعرف بقناع الموت، وهو قناع يؤخذ مباشرة، عن وجه الميت، بوساطة الجبس، من أجل التوثيق لملامح الشخص المتوفى، وبالإمكان أخذه عن وجه الإنسان الحي، وفق تقنية خاصة، توفر إمكانية استمرار الإنسان (الذي يؤخذ لوجهه القناع) بالتنفس، وتالياً بالحياة.
في وقتنا الحالي، تفتقت مواهب صناع الجمال وسدنته، عن سلسلة جديدة من الأقنعة و(الماسكات الخاصة) بتجميل المرأة وتزينها. منها ما يوضع على الوجه، بعد أن دخلته مواد وخامات وزخارف وتشكيلات مبتكرة، ومنها ما يتم بوساطة مواد خاصة، من أجل تنقية البشرة، ومعالجة أمراضها، أو تغيير ألوانها، ومنها ما بات يتم جراحياً.
أي تغيير الملامح، كتقصير الأنف، ونفخ الشفاه والخدود، وتوسيع العيون ... وغير ذلك من عمليات التجميل السائدة حالياً، خاصة في عالم المغنين والممثلين ... وكل ذلك يتحدر من صلب القناع أو (الماسك)!!.
تاريخ طويل
من غير السهل، تحديد أول ظهور للقناع في العالم، أو تحديد بدقة، وظيفته الأولى. فقد وجد في المقابر وأماكن أخرى، ما يؤكد تعدد وظائفه واختلافها من شعب لآخر، ومن زمن لآخر أيضاً.
حمل القناع عند الإغريق اسم (برسوبون ذََُُُِّْ) أي الوجه، وكان متعدد الأشكال والمهام، ويغطي الرأس بكامله، وقد صُنع من الخشب والألياف النباتيّة، وفيما بعد من الجبس، وأحياناً كان يُلوّن ويُستعمل لأغراض دينيّة، أو أثناء الحروب، أو التمثيل.
أما في أفريقيا، فتقول الأسطورة أن إحدى السيدات رسمت وجهاً قبيحاً على دلو الماء من أجل إخافة ابنتها التي كانت تصر على اللحاق بها إلى نبع الماء، ما أدى إلى إخافتها وبقاءها في البيت.
من جانب آخر، كانت القبائل الأفريقيّة تؤمن بوجود الأرواح الشريرة، وأرواح الذين ماتوا، وتأثيرها القوي على الأحياء، لذلك قاموا بصنع أقنعة للحماية، معتقدين أن هذه الأرواح غير قادرة على التعرف إليهم إذا ما وضعوها على وجوههم.
وفي أوروبا، شاع استعمال القناع في مناسبات عديدة، لا سيما في المسرح والمهرجانات التنكريّة والأعياد، وقد تعددت أشكاله ومواده وخاماته وزخارفه وطرائق استعماله. وكان يغطي كامل الوجه، أو يقتصر على العينين والفم. وكذلك الأمر بالنسبة للأقنعة الصينيّة التي ارتبط بعضها بالمسرح و(الماكياج) وباتت جزءاً أساساً من عالم الفن.
أول ظهور للأقنعة الصينيّة، كان في عهد (شانغ وتشو) قبل نحو 3500 عام، وقد كُرّست لأغراض مختلفة منها: أقنعة احتفاليّة، وأقنعة حديثي الولادة، وأقنعة لحماية المنزل، وأخرى للمسرح.
كما ظهرت الأقنعة في حضارة (المايا) حيث زينت بها وجوه الموتى، واستخدمت خلال الأحداث الهامة، وتميزت بأسلوبها الفسيفسائي، واستخدام أحجار البشم في تنفيذها.
وارتبطت الأقنعة بشعارات الهنود الحمر ومناسباتهم الدينيّة والاحتفاليّة. وللأقنعة عند اليابانيين، حكايا ومداليل عديدة، كما ارتبطت بالمسرح، واعتبرت من العناصر الرئيسة فيها.
د. محمود شاهين

