من قال إن الأعراس ليست أنشطة ثقافية بامتياز تثير الشغف والعقل وتوقظ الذاكرة والمشاعر؟من قال إن ثوب العروس ليست معجماً للمصطلحات والتعبير والألوان؟ومن قال إن الإبداع على مساحات ذلك الثوب ليست فكرة لرمز أو متاهة تلازمانه كلغة غير تقليدية يبثها لأبصار الضيوف ولعيون الكاميرات؟

يبدو أن هذا الثوب في المدينة الجزائرية «عنابة» هو أكبر بكثير من حجمه،وبالأخص عندما يصر على سرد حكايات كاملة من الماضي، ثم يترك المساحات لخيال كل من يرغب في الانتباه أكثر لقصة التنوع والعمق في الخطوط والألوان، وهي تذكره بالطهر عندما يراه في العباءة البيضاء، وبالوفاء عندما يراه في الزرقاء، وفي مواجهة الحسد عندما يراه في الذهبية، هكذا قالت لنا العروس «مريم» وهي تستعرض مخزونها الزاهي أمام المهنئين.إن احديث عن الأعراس وعن مواسمها ومهرجاناتها في هذه المدينة السعيدة هو حديث عن ثوب العروس كرداء ورمز يتمتع بحب خاص لدى أهلها، لأنه وحده ما يجب أن يلفت الانتباه والنظر ويثير الإعجاب في هذا الحدث. حيث تتنافس العائلات هنا في إخراج بناتهن بكل ما هو مبهر وجميل وثمين من الأثواب التقليدية التي تم تحضيرها على مدى أشهر، وربما سنوات، وكلفت من الميزانيات ما أثقل كاهل أفراد العائلة وليس فقط العروس.

ونذكر هنا أن أهل هذه المدينة يصرّون دائماً على تكريس وتعميق تقليدية أثواب الزفاف التي كلما كانت لافتة في هذا الجانب، كلما عمّقت الحب بين العروسين حسب معتقدهم. ولذلك فإن المحافظة على هذا التقليد واستمرارية العمل به جعل هذا الثوب متواجداً دائماً ولم يدخل خزائن الفولكلور كبعض الأشياء الأخرى، بل على العكس زاد اعتزاز العائلات والمجتمع به كتراث تألقاً وحضوراً، ليس فقط في الأعراس، بل في المواسم والاحتفالات المشابهة.إن فتنة الألوان وزهو وتنوع الأشكال التي لم تفقد هويتها العنابية والأنثوية ظلت متمسكة بها على صدر ثوب (القطيفة) و(الحرير) الناعمين هما من أعطى لهذا الزي ما يتمتع به من سمعة وإثارة واهتمام، يضاف إلى كل ذلك جودة وحرفية التطريز التي لا تتنازل عن استعمال أجود خيوط الذهب والفضة الخالصين مما يزيد من قيمة ووزن الثوب الذي قد يصل إلى أكثر من عشرة كيلوغرامات.

ورغم طغيان الآلة ومزاحمتها للتطريز اليدوي، فإن أهل هذه المدينة وإصرارهم على الحفاظ على هذا اللباس ودعم محترفيه واحترام مبدعيه كان له كبير الأثر في ذلك الصمود، بل السيطرة وحتى الخروج إلى العالم الخارجي كأهم ما يعبر عن ثقافة العرس العنابي والجزائري بشكل عام.

ففن التطوير اليدوي، كما نعلم، هو قديم قِدم الإنسان وهو ليس بحاجة إلى وصف أو مدح، إنه ككل عمل يدوي يظل بلا منازع.

وأما الأشكال التطريزية في ثوب الزفاف العنابي، فإن معظمها بنقوشه ورسوماته المبتكرة مستوحى من البيئة والمحيط النباتيين بشكل خاص، وكذلك من بعض الموروثات القديمة التي يضيف إليها دائماً خيال الفنانات الكثير من السحر والخيال الذي يرتبط بروحانية الطيور والأزهار والغيوم.

تنتشر ورش الخياطة والتطريز تلك في كل أنحاء المدينة الزاهية، ورغم كثرتها، فإنه يتوجب على العروس أن تحجز دوراً لأشهر كثيرة قبل زفافها، وربما سنوات، لأن جهازها التقليدي لا يتكون فقط من قطعة واحدة أو اثنتين أو ثلاث.. إنه يمتد إلى عشر قطع وأحياناً إلى أكثر، وكل قطعة تنافس أختها إبهاراً وجمالاً.

ومما يزيد في طول مدة الانتظار تلك هو أن فنانات التطريز والخياطة العنابيات هن مقصد الكثير من عرائس المناطق والولايات الجزائرية الأخرى واللائي تفتخر الواحدة منهن يوم زفافها بأن أثوابها من تصميم وصنع محترفة عنابية.

فعالم تصاميم هذه الأزياء المتفرِّدة تميزت به هذه المدينة دون غيرها، لما فيه من إتقان وابتكار وموهبة وخبرة توارثتها مبدعات عرفن فنهن جيداً.

إن زي الزفاف العنابي التراثي هذا، أو المتواجد دائماً هو توثيق لمشاعر العرس ومشاعر أهله وضيوفه في هذه المدينة، ظلت تتوارثه الحفيدات عن الأمهات والجدات وتتوارث طابعه المتميز الذي يرتبط دائماً بالحميمية الخاصة التي تضفي على من ترتديه في ليلتها فائضاً من السعادة والبهجة والأمل.

بقي فقط أن نقول إن هذا الإقبال والشغف بهذا التراث وما يصحبه من عادات متأصلة لدى الناس، دفع دور الأزياء إلى تنظيم المهرجانات المختلفة والتباهي دائماً بعرض جديدها (المعتّق) نظراً للاستحسان والإقبال اللذين يدفعان الصانعات والحرفيات وصاحبات ورش الخياطة إلى البحث الدائم عن التجديد والابتكار في تفاصيله، حتى يظل هذا الثوب قطعة فنية قيّمة تحتفظ بها العروس كأهم ما يذكرها بأجمل لحظات عمرها.

ثوب الذهب

إن فتنة الألوان وزهو وتنوع الأشكال التي لم تفقد هويتها العنابية والأنثوية ظلت متمسكة بها على صدر ثوب (القطيفة) و(الحرير) الناعمين هما من أعطى لهذا الزي ما يتمتع به من سمعة وإثارة واهتمام، يضاف إلى كل ذلك جودة وحرفية التطريز التي لا تتنازل عن استعمال أجود خيوط الذهب والفضة الخالصين مما يزيد من قيمة ووزن الثوب الذي قد يصل إلى أكثر من عشرة كيلوغرامات.

محمد حسين طُلبي