في الطريق المؤدية إلى دار الأوبرا بالقاهرة يمر المرء فوق جسر الجلاء متذكراً عشرات الأفلام التي وقفت فيها البطلة تطل على النيل وقد مالت بجذعها إلى الأمام لفرط سعادتها وهي تهتف « الدنيا لونها بمبي يا أحمد «تلك العبارة التي قالتها الممثلة المصرية عشرات المرات تتجسد، أمامي وأنا أعبر الجسر نحو دار الأوبرا قادما من جهة فندق شيراتون الجزيرة تحيط بي أجساد عابرة مسرعة تتداخل بين السيارات، أجساد تزاحم الحديد لعبور الجسر بأمان.

الأمان عندما تمر مسرعاً فوق الجسر دون أن تقترب من حافته، فقد مال السور الحديدي نحو الأسفل بطريقة مفزعة تاركاً الخيار لك أن تقترب لتلقي نظرة على النيل ،أم تمضي مسرعاً لتقضي على خوفك وتشعر بالأمان لأنك أصبحت في الجهة الأخرى من النهر، لكن خطواتك السريعة لا تمنعك من ملاحظة عشرات الأزواج من الشباب و البنات يتخذون من سور الجسر متكئاً يرون من خلاله الدنيا (بمبي).

يعتاد المرء الخوف عندما يصالحه ويتعرف إليه و يصادقه، هذا هو حال العشاق الذين اتخذوا من سور ( كوبري الجلاء ) موضعاً يرقبون غروب الشمس منه ويراجعون حصيلة أشواقهم، معظمهم طلبة جاؤوا من أرياف قريبة أو من عشوائيات نابتة على أطراف القاهرة غير آبهين بالمارة، فالكل يغذ خطاه ليعبر الجسر، الكل يريد أن يكون في الطرف الآخر من البر، يريد الشعور بالأمان، لكن عشاق الجسر لا يهابون السور المائل، لأن الحب أقوى من الخوف.

لطالما كان حلم العبور إلى الضفة الأخرى من النهر أو البحر، أو الضفة الأخرى من العالم، يراود الباحثين عن الأمان، لذلك تمخر عباب البحر مئات السفن عابرة المتوسط وعلى متنها حالمون شرعيون و غير شرعيين، أثرياء و فقراء، جهلة و متعلمون، متزوجون حديثاً و مطلقون، ريفيون و مدنيون، جميعهم يبحث عن أمان الضفة الأخرى، يبحثون عن الأمان في المجهول، يغامرون صوب الموت، بعدما ضرب اليأس جذوره في أرواحهم، تراهم يركضون نحو الضفة الأخرى، ضفة الأمان.

وحدهم عشاق الجسور لا يرون من عالمهم سوى النصف المملوء من الكأس تراهم يشربونه دون شكوى، دون ألم، لا تخيفهم الهوة العميقة التي تنتظر مصائرهم، يمضون وقتاً طويلاً على الجسر حتى يدب الليل فيتسربون رويداً رويداً دون خوف، لأن الحب يحميهم.

hussain@albayan.ae