حركة «التوباماروس» هي أحد أشهر الحركات الثورية في أميركا اللاتينية على الصعيد العالمي. والباحث الاجتماعي «الان لابروس» الذي أمضى عدة سنوات في الأوروغواي «مهد تلك الحركة» وتعرّف على العديد من قادتها يقدم اليوم كتابا تحت عنوان «التوباماروس، من السلاح إلى صندوق الاقتراع».

إن المؤلف يقدم توصيفا لحركة «التوباماروس» التي تبنّت الكفاح المسلح ضد نظام «الأوروغواي» خلال سنوات الستينات والسبعينات المنصرمة، وذلك في سياق من «النهوض» الثوري في أميركا اللاتينية كلها خلال تلك الفترة ضد الأنظمة الدكتاتورية والعسكرية التي كانت سائدة في معظم بلدان المنطقة.

وكان ثوار «التوباماروس» قد استطاعوا أن يلفتوا إليهم أنظار العالم من خلال العمليات الجريئة التي قاموا فيها في أواسط الستينات، وهذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول: «إن الأصداء الإعلامية لأحداث ربيع عام 1968 التي عرفتها الاوروغواي، البلاد الصغيرة ذات الثلاثة ملايين نسمة، جذبت إليها أنظار العالم أجمع بسبب الأعمال التي قامت فيها مجموعات من الثوار ليسوا، كما يبدو، مثل غيرهم. لقد مالوا نحو استخدام الخداع والدهاء أكثر من اللجوء إلى العنف وحرصوا على أن يعطوا سمات تربوية -بيداغوجية ؟

لعملياتهم مما جعل السلطات الاستبدادية القائمة موضع سخرية السكان«.وكدليل على الذهنية التي قام فيها الثوار بعملياتهم يقوم المؤلف، معتمدا على العديد من الوثائق والوقائع، بتوصيف سلسلة من عمليات «التوباماروس» خلال عقدي الستينات والسبعينات المنصرمين. ويلجأ من أجل نفس الغرض إلى القيام بعدد من المقابلات مع أولئك الذين عاشوا الأحداث أو كانوا شهودا مباشرين عليها. بهذا المعنى ليس الكتاب عملا تأريخيا، بل إن أسلوبه يقترب من «السرد الروائي».

وكانت تلك الحركة قد استطاعت أن تجمع حولها في البداية بضعة عشرات من الفلاّحين الذين كانوا يعانون من ضغط مزدوج، ضغط السلطات من جهة ولكن أيضا ضغط تلك الميليشيات المسلّحة التابعة لعرّابي زراعة المخدرات. وكان أولئك الثوار يطلقون تسميات تنم عن مفاهيم «الحرية» للقرى التي يسيطرون عليها عبر انضمام الأهالي إليهم.

لكن بعد سقوط النظام الدكتاتوري لم يتردد قادة حركة «التوباماروس» في الانضمام إلى الحياة السياسية العامة وممارسة نشاطهم داخلها وفي «إطار الشرعية» هذه المرة.

وهذا ما يسميه المؤلف الانتقال من «لغة السلاح إلى صناديق الاقتراع»، كما جاء في عنوان الكتاب. مثل هذه الطريقة في أسلوب تقديم حركة التوباماروس تجد صداها في تاريخهم نفسه حيث يؤكد مؤلف هذا الكتاب أن الخصوصية الكبيرة التي تحلّى فيها مناضلو هذه الحركة هي أنهم رفضوا دائما الانصياع «الأعمى» لخط تقرره القيادات حسب الرواية التي تراها مناسبة.

بل على العكس يتم التأكيد أن كل مرحلة من تاريخ التوباماروس كانت تشهد نقاشات طويلة ومعمقة عن الخط وعن الخطوات التي ينبغي انتهاجها آنيا ومستقبليا. ويفتح المؤلف قوسين في هذا السياق كي يشير إلى أن تلك النقاشات كانت تنتهي أحيانا إلى «انشقاقات» إذا لم يتم التوصّل إلى رأي يتم الاتفاق عليه.

ثم إن كل توجه جديد كان يتم الاتفاق عليه كان يعقبه فترة «اختبار» مدى مصداقيته على أرض الواقع.إن مؤلف هذا الكتاب يعيد أيضا رسم الأجواء التي كان ثوار حركة التحرر الوطني في الاوروغواي «التوباماروس، يتحركون خلالها.

تتم الإشارة هنا إلى أن اليسار الفرنسي الذي كان وراء أحداث فرنسا في شهر مايو-ايار من عام 1968، والمعروفة بـ «ثورة الطلبة»، كان يجد متعة كبيرة وهو يقرأ الصحف آنذاك وهي تنشر أخبار استيلاء مجموعة صغيرة من الثوار في اوروغواي على «ثكنة عسكرية» تابعة لسلاح البحرية في البلاد.

حيث كانت تتواجد أعداد كبيرة من الجنود، أو عندما استطاع أولئك الثوار، رغم التواضع الكبير من حيث عددهم، تمرير رسالة وجهوها عبر الإذاعة على المستوى الوطني أثناء المباراة النهائية على مستوى أميركا اللاتينية للأندية «البطلة» في المباراة النهائية للحصول على الكأس، أو تلك الأخبار التي نشرتها الصحافة عن عملية «الهروب الكبير» على غرار الفيلم السينمائي الشهير الذي يحمل هذا العنوان، ل111 سجين عبر نفق كانوا قد حفروه انطلاقا من أحد السجون.

ومن خلال التعرّض لآليات عمل حركة التوباماروس ولمسارها التاريخي يناقش المؤلف مسألة ذات طابع نظري، وهي تتعلق بـ «الثورة والسلطة«. وهو يصل في تحليلاته إلى القول إن الظروف الموضوعية التي كانت تسود في الاوروغواي في مطلع سنوات الستينات المنصرمة لم تكن تسمح باستلام مجموعة من النخب الثورية للسلطة.

ويضيف المؤلف أنه في فرضية وصول تلك النخب الأمر قليل الاحتمال إلى السلطة فإنه ليس هناك ما يضمن أن المستقبل كان بالضرورة سعيدا. على العكس يرى المؤلف أن احتمال وصول «ثوري سابق» من التوباماروس إلى رأس السلطة في الاوروغواي، أو غيرها من بلدان أميركا اللاتينية،اليوم قد يفتح الطريق أمام «ثورة ثقافية حقيقية».

ومن خلال ترشيح «خوسيه موجيكا»، القائد والثوري السابق في التوباماروس، إلى الانتخابات الرئاسية في الأوروغواي، جرى التحوّل الذي عناه المؤلف من «السلاح إلى القبول بصناديق الاقتراع»، إنه التخلّي عن «الكفاح المسلح»، وجزئيا بسبب القمع الذي مارسه النظام القائم، والتحوّل إلى حركة سياسية يشكل «سابقة» لم تعرفها بلدان أميركا الجنوبية. ثم ليس هناك أية حركة ثورية قامت خلال سنوات الستينات المنصرمة في تلك المنطقة من العالم استطاعت البقاء بعد هزيمتها.

والرسالة التي يوجهها المؤلف كمحصلة لما توصل إليه من دراسة التوباماروس هو أن الكفاح المسلّح مبرر في حالتين: عندما يتم ذلك ضد غزاة أجانب أو ضد دكتاتورية تفرض نفسها بالقوة.

المؤلف في سطور

آلان لابروس، باحث اجتماعي وصحفي. سبق له وقدّم عددا من الكتب عن عالم المخدرات وإستراتيجياتها من بينها: «استيقاظ الحركات الهندية في جنوب أميركا«. عاش المؤلف في الاوروغواي خلال سنوات 1965-1970 عندما كانت حركة «التوباماروس» في أوج نشاطها وهو يتردد على هذه البلاد منذ سنوات.

الكتاب: التوباماروس من السلاح إلى صناديق الاقتراع

تأليف: الان لابروس

الناشر: روشيه باريس 2009

الصفحات: 441 صفحة

القطع: المتوسط

Les Tupamaros, des armes aux urnes

Alain Labrousse

Rocher - Paris 2009

144P